فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 1777

وهذا شبيه بما قاله مروان بن محمد حين بلغه أن الناس يقولون إنّ هذه الشجاعة التي لأمير المؤمنين لم تكن لأبيه ولا لجدّه، وإنما جاءته من قبل

إبراهيم بن الأشتر فإنّ أمّه كانت له، وصارت لمحمد بن مروان وهي حامل بعده فقال: ما أبالي لأيّ الفحلين كنت، كلاهما شريف كريم.

وقال الرشيد مرة لعبد الملك: كيف هواؤكم بمنبج؟ قال: سحر كلّه.

وقال عبد الرحمن التيمي: قال لي عبد الملك: يا عبد الرحمن كن على التماس الحظّ بالسكوت أحرص منك على التماسه بالكلام. فقد قيل: إذا أعجبك الكلام فاصمت، وإذا أعجبك الصمت فتكلّم. ولا تساعدنّي على قبيح، ولا تردّنّ عليّ في محفل، وكلّمني بقدر ما استنطقتك واعلم أنّ حسن الاستماع أحسن من حسن القول. فأرني فهمك في نظرك، واعلم أني جعلتك جليسا مقرّبا، بعد أن كنت معلّما مباعدا. ومن لم يعرف نقصان ما خرج منه لم يعرف رجحان ما دخل فيه.

ولما دخل الرشيد إلى منبج قال لعبد الملك: أهذا البلد منزلك؟ قال: هو لك ولي وبك. قال: وكيف بناؤك به؟ قال: دون منازل أهلي وفوق منازل غيرهم. قال: فكيف صفة مدينتك هذه؟ قال: هي عذبة الماء، باردة الهواء، قليلة الأدواء. قال: فكيف ليلها؟ قال: سحر كله. قال: صدقت إنها لطيبة.

قال: لك طابت، وبك كملت، أين بها عن الطيب؟ وهي تربة حمراء، وسنبلة صفراء، وشجرة خضراء، أفياف فيح بين قيصوم وشيح. فقال الرشيد لجعفر بن يحيى: هذا الكلام أحسن من الدّرّ المنظوم.

وروي أنّ صالح بن علي قال لعبد الملك ابنه وهو صبيّ ما بلغ الحلم في شيء فعله: أتاك هذا من قبل أمّك الزانية، فقال: {وَالزََّانِيَةُ لََا يَنْكِحُهََا إِلََّا زََانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النّور: الآية 3] ثم ولّى مغضبا وهو يقول: [الطويل]

عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فكلّ قرين بالمقارن يقتدي [1]

ولما ولّى الرشيد عبد الملك المدينة قيل ليحيى بن خالد: كيف ولّاه المدينة من بين أعماله؟ قال: أحبّ أن يباهي به قريشا، ويعلّمهم أنّ في بني العباس مثله.

(1) البيت لعدي بن زيد في عيون الأخبار 3/ 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت