وقال: ما رأيت أحدا أسعفته في حاجة إلا أضاء ما بيني وبينه، ولا رأيت أحدا رددته عن حاجة إلا أظلم ما بيني وبينه.
وقال: العلم أكثر من أن يؤتى على آخره فخذوا من كلّ شيء أحسنه.
كان نافع بن الأزرق [1] يسأل ابن عباس عن القرآن وغيره، ويطلب منه الاحتجاج باللغة وبشعر العرب، فيجيبه عن مسائله.
وروى أبو عبيدة أنه سأله فقال: أرأيت نبيّ الله سليمان مع ما خوّله الله.
عزّ وجلّ وأعطاه، كيف عني بالهدهد على قلّته وضؤولته؟ فقال له ابن عباس:
إنّه احتاج إلى الماء، والهدهد قنّاء، الأرض له كالزجاجة يرى باطنها من ظاهرها، فسأل عنه لذلك. فقال له ابن الأزرق: قف يا وقّاف، كيف يبصر ما تحت الأرض، والفخّ يغطّي له بمقدار إصبع من تراب فلا يبصره حتى يقع فيه، فقال ابن عباس: ويحك يا ابن الأزرق، أما علمت أنّه إذا جاء القدر عشي البصر.
وروي أنه أتاه يوما فجعل يسأله حتى أملّه. فجعل ابن عباس يظهر الضّجر، وطلع عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة وهو يومئذ غلام فسلّم وجلس.
فقال ابن عباس: ألا تنشدنا شيئا؟ فأنشده: [الطويل]
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجّر [2]
(1) نافع بن الأزرق: رأس فرقة الأزارقة، والأزارقة: فرقة من الخوارج أصحاب نافع بن الأزرق قالوا: كفر علي بالتحكيم وابن ملجم محقّ في قتله، وكفّرت الصحابة أي عثمان وطلحة والزبير وعائشة وعبد الله بن عباس وسائر المؤمنين معهم وقضوا بتخليدهم في النار، وكفّروا القعدة عن القتال وإن كانوا موافقين لهم، وقالوا: تحرم التقية في القول والعمل، ويجوز قتل أولاد المخالفين ونسائهم، ولا رجم على الزاني المحصن ولا حدّ للقذف على النساء، وأطفال المشركين في النار مع آبائهم، ويجوز اتباع نبي كان كافرا وإن علم كفره بعد النبوة، ومرتكب الكبيرة كافر (كشاف اصطلاحات الفنون 1/ 142) . ونافع بن الأزرق من أهل البصرة، صحب في أول أمره عبد الله بن عباس، وكان وأصحاب له من أنصار الثورة على عثمان بن عفان ووالوا عليّا إلى أن كانت قضية التحكيم فاجتمعوا في حروراء، وهي قرية من ضواحي الكوفة ونادوا بالخروج على علي، وكان نافع بن الأزرق جبارا فتاكا قاتله المهلب بن أبي صفرة. وقتل يوم دولاب على مقربة من الأهواز سنة 65هـ (انظر: الأعلام 7/ 352، الكامل للمبرد 2/ 172، لسان الميزان 6/ 144، جمهرة الأنساب 293، تاريخ الطبري 7/ 65، خطط المقريزي 3/ 354) .
(2) البيت لعمر بن أبي ربعية في ديوانه ص 92، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 326.