وصف العباس بن الحسين العلوي رجلا بفصاحته، فقال: ما شبهته يتكلم إلا بثعبان ينهال بين رمال، أو ماء يتغلغل بين جبال.
كان المعتصم قد قرر عند المأمون أنّ العباس يبغضه، فحطّه ذلك عنده، فلما ركب المأمون في الليل قتل ابن عائشة رأى العباس بن الحسين قد ركب مع أهله ومواليه في السلاح، فقال له المأمون: سررت بالمخاض طمعا في الولاد، فقال: معاذ الله يا أمير المؤمنين أن أكون عليك مع عدوّ، وما أعلم في بني أبي أحدا لو ملك كان لي مثلك.
قال: فما هذه العدّة والعدّة؟، قال: اتباع لأمر الله وقوله: {مََا كََانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرََابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللََّهِ وَلََا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ} [التّوبة: الآية 120] . قال: أنت المصدّق.
فلما قتل ابن عائشة وانصرف، قال له العباس: الله الله يا أمير المؤمنين في الدّماء التي لا بقيّة معها، ولا عقوبة بعدها، والبس رداء العفو الذي ألبسك الله إياه وجمّلك به، وأسعدك باستعماله فإن الملك إذا قتل أغري بالقتل حتى يصير عادة من عاداته، ولذّة من لذاته، فقال: والله يا أبا الفضل لو سمعت هذا منك قبل قتلي لابن عائشة ما قتلته. ولطفت حاله عند المأمون بعد ذلك. وعزّى العباس رجلا، فقال: إني لم أقل شاكّا في عزمك، ولا زائدا في علمك، ولا متّهما لفهمك، ولكنه حقّ الصديق، وقول الشفيق فاسبق السلوة بالصبر، وتلقّ الحادثة بالشكر يحسن لك الله الذخر، ويكمل لك الأجر.
قال إسحق: أتيت العبّاس مرة فسلمت عليه، ثم تأخرت عنه، فقال لي:
أذقتنا نفسك، فلما اشتقناك لفظتنا.
وقال له رجل: كم سنك؟ فقال: خلّفت الخمسين، وإنّ التقاتي لطويل إليها.
وسأله المأمون عن رجل، فقال: رأيت له حلما وأناة ولم أر سفها ولا عجلة، ووجدت له بيانا وإصابة، ولم أر لحنا ولا إحالة، يجىء بالحديث على مطاويه. وينشد الشعر على معانيه، ويروي الأخبار المتقنة، ويرمي بالأمثال المحكمة.
قال أبو محمد اليزيدي (1) : كنت أنا والكسائي (2) عند العباس بن الحسين، فجاءه غلامه، فقال: كنت عند فلان وهو يريد أن يموت فضحكت أنا والكسائي، فقال: ممّ ضحكتما؟ قلنا: من قول الغلام. وهل يريد الإنسان الموت؟ فقال العباس: قد قال الله عزّ وجلّ: {فَوَجَدََا فِيهََا جِدََارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: الآية 77] فهل للجدار إرادة؟ وإنما هذا مكان «يكاد» فنبّهنا والله عليها.