كان أبو السرايا لما مات محمد بن إبراهيم بن طباطبا أقام مقامه محمد بن محمد بن زيد فلما ظفر به حمل إلى مرو إلى المأمون، فأظهر إكرامه وعجب من صغر سنّه، وحبسه حبسا جميلا، فقيل له: كيف رأيت صنيع ابن عمك أمير المؤمنين في ظفره وقدرته. فقال: والله لقد أغضى عن العورة، ونفّس الكربة، ووصل الرحم، وعفا عن الجرم وحفظ النبيّ صلى الله عليه وسلم في ولده، واستوجب
الشكر من جميع أهل بيته، ومات بمرو من شيء سقيه، فلما أحسّ بالموت كان يقول: يا جدي، يا أبي يا أمي: اشفعوا لي إلى ربّي فكان ذلك هجّيراه إلى أن مات، وكانت سنّه يوم توفي عشرين سنة.
كان يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين شريفا جليلا زاهدا أيّدا شديدا، جوادا حسن الوجه محبّبا إلى الناس، خرج إلى سرّ من رأى، وكان قد أضاق بالكوفة يستميح المستعين، فردّ عليه وصيف ردّا غليظا، وكان يلي الأمر إذ ذاك، فخرج في سنة خمسين ومائتين، واجتمع عليه الناس، وظفر بالكوفة بأصحاب السلطان، وأنفذ إليه محمد بن عبد الله بن طاهر من بغداد جيشا، فقتل، وحمل رأسه إلى بغداد، وحمله محمد إلى سرّ من رأى إلى المستعين، فنصب ساعة، ثم كره المستعين ذلك، فأمر بردّه إلى بغداد، فنصبه محمد ساعة فكثر الناس، وأثنوا على يحيى، وقالوا: رجل صالح منع القوت فخرج، فما آذى أحدا ولا ظلم، وقتل فما معنى صلب رأسه؟ ولعنوا محمد بن عبد الله فأنزل، وقال أبو هاشم الجعفري لمحمد بن عبد الله وقد هنّأه الناس بالظفر إنك لتهنّأ بقتل رجل لو كان رسول الله حيّا لعزّي عليه، فأخذ ذلك ابن الرومي في قصيدة رثاه بها: [الطويل]
أكلّكم أمسى اطمأنّ فؤاده ... بأنّ رسول الله في القبر مزعج
وقال: [البسيط]
ليهنكم يا بني المجهول نسبته ... فتح تخرّم أولاد النّبلّينا
فتح لو أنّ رسول الله حاضره ... كأن الأنام له طرّا معزّينا
وقال: [الطويل]
بني طاهر غضّوا الجفون وطأطئوا ... رؤوسكم ممّا جنت أمّ عامر
سمّي محمد بن عبد الله أمّ عامر وهي كنية الضبع لأنه كان أعرج، والضبع عرجاء.
وانقضت دولة آل طاهر بعد قتله، فما انتعشوا بعد ذلك. لعنة الله على جميع من ظلم آل محمد عليه السلام.
قال الصّولي: كان يحيى بن عمر كثير المقام ببغداد، وما شرب شرابا يسكر قطّ، ولكنّه كان مستهترا بالسماع يحبّه ويوثره، وكان أسمح الناس أخلاقا. فحكى من سمعه يقول يوما لجارية غنّت فأحسنت: غفر الله لك ما قلت، ولنا ما سمعنا.