قيل: ماتت ابنة لأحمد بن عيسى فوجد بها وجدا شديدا، فقيل له في ذلك، فقال: إني أعلّم الناس الصبر وآمرهم به، وما أنسيته ولا أغفلته، وليس جزعي لموتها، ولكني لا أخبر الذكر من أولادنا بنسبه حتى يبلغ خمس عشرة سنة لئلا تبدر منه بادرة يظهر علينا، ولا الأنثى حتى تبلغ عشرين سنة، وإن
هذا الصّبيّة توفّيت ولها ستّ عشرة سنة، ولم تعلم النسب بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقع بأس منها فأخبرها، حتى ماتت وهي لا تعلم بذلك فلهذا غمّي وأسفي. وأنشد: [الوافر]
أليس من العظائم أن يورّى ... حذار النّاس عن نسب كريم
يعمّر ذو الفخار وليس يدري ... أيعزى للأغرّ أو البهيم
يذلّ بنو النبيّ حذار ظلم ... ويحوي العزّ ذو النسب اللئيم
قال الصولي: كنت يوما مع الغلابي، ونحن نقصد المربد، فمررنا بدرب يعرف بدرب الحريق، فقال لي: أتدري لم سمّي هذا بدرب الحريق؟ قلت:
لا. قال: كان هذا الدرب يسمّى المعترض، فجلس اثنان على دكان بين يدي الدرب مما يلي المربد، فطالب أحدهما صاحبه بمائة دينار دينا له عليه، والرجل المطالب معترف، وهو يقول: يا هذا: لا تمض بي إلى الحاكم فإني قد تركت في منزلي أطفالا قد ماتت أمّهم، لا يهتدون لشرب الماء إن عطشوا، وإن تأخرت عنهم ساعة ماتوا، وإن أقررت عند الحاكم حبسني فتلفوا فلا تحملني على يمين فاجرة، فإني والله أحلف لك ثم أعطيك مالك، وصاحبه يقول له: لا بدّ من تقديمك وحبسك أو تحلف. فلما كثر هذا منهما إذا صرّة قد سقطت بينهما، ومعها رقعة: يا هذا، خذ هذه المائة الدينار التي لك قبل الرجل، ولا تحمله على الحلف كاذبا، وليكن جزاء هذا أن تكتماه فلا يعلم به غيركما، ولا تسألا عن فاعله، فسرّا بذلك جميعا وافترقا، فندّ الحديث من أحدهما فشاع، فقيل: ما يفعل هذا الفعل إلا أحمد بن عيسى، فقصدوا الدار لطلبه فوجدوا آثارا تدلّ على أنه كان فيها وتنحّى، وهرب صاحب الدار، فأحرق السلطان الدار، فسمّي منذ ذاك درب الحريق.
كان أبو السرايا لما مات محمد بن إبراهيم بن طباطبا أقام مقامه محمد بن محمد بن زيد فلما ظفر به حمل إلى مرو إلى المأمون، فأظهر إكرامه وعجب من صغر سنّه، وحبسه حبسا جميلا، فقيل له: كيف رأيت صنيع ابن عمك أمير المؤمنين في ظفره وقدرته. فقال: والله لقد أغضى عن العورة، ونفّس الكربة، ووصل الرحم، وعفا عن الجرم وحفظ النبيّ صلى الله عليه وسلم في ولده، واستوجب
الشكر من جميع أهل بيته، ومات بمرو من شيء سقيه، فلما أحسّ بالموت كان يقول: يا جدي، يا أبي يا أمي: اشفعوا لي إلى ربّي فكان ذلك هجّيراه إلى أن مات، وكانت سنّه يوم توفي عشرين سنة.