فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 1777

ودخل على هشام، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: لا سلّم الله عليك. فقال زيد: اتق الله. فقال: أمثلك يأمرني بتقوى الله؟ قال: إنّه ليس أحد فوق أن يؤمر بتقوى الله، ولا أحد دون أن يأمر بتقوى الله. قال: أنت المحدّث نفسك بالخلافة وأمّك أمّك. قال: يا أمير المؤمنين إنّ الأمهات لا يضعن من الأولاد، ولو وضعت أمّ إسماعيل من إسماعيل، فقد جعله الله نبيّا وذرأ سيد الأولين والآخرين محمدا صلى الله عليه وسلم منه. قال: لقد أعطيت على رغمي جدلا. أخرجوه عنّي. فلما خرج اتّبع فسمع يقول: ما أحبّ الحياة أحد إلا ذلّ.

قارف الزهري [1] ذنبا فاستوحش من الناس، وهام على وجهه، فقال زيد رحمه الله: يا زهري، لقنوطك من رحمة الله التي وسعت كلّ شيء أشدّ عليك من ذنبك. فقال الزهري: الله أعلم حيث يجعل رسالاته، ورجع إلى أهله وماله وأصحابه.

من خطبة لزيد رضي الله عنه.

أوصيكم عباد الله بتقوى الله، التي من اكتفى بها كفته، ومن اجتنّ بها وقته. هي الزاد ولها المعاد زاد مبلغ، ومعاد منج. دعا إليها أسمع داع، ووعاها خير واع، فأعذر داعيها، وفاز واعيها.

عباد الله: إنّ تقوى الله حمت أولياء الله محارمه، وألزمت قلوبهم مخافته حتّى أسهرت ليلهم، وأظمأت هو اجرهم، فأخذوا الراحة بالنّصب، والرّيّ بالظّمإ، وقرّبوا الأجل فبادروا العمل، وكذّبوا الأمل، ولاحظوا الأجل. {طُوبى ََ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} [الرّعد: الآية 29] .

ثم إنّ الدنيا دار فناء وعناء، وغير وعبر، فمن العناء أن المرء يجمع ما لا يأكل، ويبني ما لا يسكن، ثم يخرج إلى الله عزّ وجلّ لا مالا حمل ولا بناء نقل. ومن الفناء أنّ الدهر موتر قوسه ثم لا تخطئ سهامه، ولا تشوى جراحه، يرمي الحيّ بالموت، والصحيح بالعطب، آكل لا يشبع، وشارب لا يروى. ومن غيرها أنّك تلقى المحروم مغبوطا، والمغبوط محروما، ليس ذلك إلا نعيما زال وبؤسا نزل. ومن عبرها أن المشرف على أمله يقطعه أجله، فلا أمل يدرك، ولا مؤمّل يترك، فسبحان الله، ما أغرّ سرورها، وأظمأ ريّها، وأضحى فيئها! فكأنّ الذي كان من الدنيا لم يكن، وكأنّ الذي هو كائن فيها قد كان، صار أولياء الله فيها إلى الأجر بالصّبر، وإلى الأمل بالعمل، جاوروا الله في داره ملوكا خالدين.

(1) الزهري: هو محمد بن مسلم بن عبد الله الزهري القرشي، أبو بكر، الشهير بابن شهاب الزهري، ولد سنة 58هـ، وتوفي سنة 124هـ، صنف «كتاب المغازي» (انظر: كشف الظنون 6/ 7، تهذيب التهذيب 9/ 446) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت