إنّ الله خلق موتا بين حياتين موتا بعده حياة، وحياة ليس بعدها موت.
وإن أعداء الله نظروا فلم يجدوا شيئا بعد الموت إلا والموت أهون منه، فسألوا الله عزّ وجلّ الموت، فقالوا: {يََا مََالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنََا رَبُّكَ قََالَ إِنَّكُمْ مََاكِثُونَ}
[الزّخرف: الآية 77] . وإن أولياء الله نظروا فلم يجدوا شيئا بعد الموت إلّا والموت أشدّ منه، فسألوا الله الحياة جزعا من الموت، ولكلّ ممّا هو فيه مزيد.
فسبحان الله، ما أقرب الحيّ من الميت باللّحاق به، وما أبعد الميّت من الحيّ لانقطاعه منه!
إنه ليس شيء بخير من الخير إلا ثوابه، وليس شيء بشرّ من الشرّ إلا عقابه، وكلّ شيء من الدّنيا سماعه أعظم من عيانه، وكلّ شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه، فليكفكم من السّماع العيان، ومن الغيب الخبر. إن الّذي أمرتم به أوسع ممّا نهيتم عنه، وما أحلّ لكم أكثر ممّا حرّم عليكم فذروا ما قلّ لما كثر، وما ضاق لما اتّسع، قد تكفّل لكم بالرّزق، وأمرتم بالعمل، فلا يكونن المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم، مع أنّه والله، قد اعترض الشكّ، ورحل اليقين، حتّى كأنّ الذي ضمن لكم قد فرض عليكم، وكأنّ الذي فرض عليكم قد وضع عنكم فبادروا العمل، وخافوا بغتة الأجل فإنه لا يرجى من رحمة الحياة ما يرجى من رحمة الرّزق فإنّ ما فات اليوم من الرزق يرجى غدا زيادته، وما فات أمس من العمر لم يرج اليوم رجعته، الرّجاء مع الجائي، واليأس مع الماضي و {اتَّقُوا اللََّهَ حَقَّ تُقََاتِهِ وَلََا تَمُوتُنَّ إِلََّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: الآية 102] .
ومن خطبة له:
أوصيكم بتقوى الله فإنّ الموصي بها لم يدّخر نصيحة، ولم يقصّر في الإبلاغ فاتّقوا الله في الأمر الذي لا يصل إليه منه شيء إن أصبتموه، ولا ينقص منه شيء إن جهلتموه، وأجملوا في طلب أموركم، ولا تستعينوا بنعمة الله عزّ وجلّ على معصيته.
وقال زيد لابنه رضي الله عنهما: يا بنيّ إن الله عزّ وجلّ لم يرضك لي فأوصاك بي، ورضيني لك فحذّرنيك، واعلم أن خير الآباء للأبناء من لم
تدعه المودة إلى التّفريط، وخير الأبناء للآباء من لم يدعه التّقصير إلى العقوق، فاحفظ وصيّتي.