ودخل إلى معاوية وهو مضطجع، فقعد عند رجله، فقال معاوية: ألا أطرفك؟ بلغني أنّ أمّ المؤمنين عائشة تقول: إنّ معاوية لا يصلح للخلافة. فقال الحسن رضي الله عنه: وأعجب من ذلك قعودي عند رجلك، فقام معاوية واعتذر إليه.
وقيل له عليه السلام: فيك عظمة، قال: لا، بل فيّ عزة. قال الله تعالى: {وَلِلََّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: الآية 8] .
وقال لأبيه عليهما الرحمة: إن للعرب جولة. ولو قد رجعت إليها غوارب أحلامها، لقد ضربوا إليك أكباد الإبل حتّى يستخرجوك ولو كنت في مثل وجار الضّبع.
وخطب مرة فقال: ما بين جابلق وجابلص رجل جدّه نبي غيري.
وقام إليه رجل، فقال: سوّدت وجوه المؤمنين. فقال: لا تؤنّبني رحمك الله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى بني أميّة يصعدون على منبره رجلا رجلا.
وروي عن رجل من أهل الشام قال: دخلت المدينة، فرأيت راكبا على بغلة لم أر أحسن وجها ولا سمتا ولا ثوبا ولا دابة منه، فمال قلبي إليه، فسألت عنه، فقيل: هذا الحسن بن علي بن أبي طالب. فامتلأ قلبي له بغضا، وحسدت عليّا أن يكون له ابن مثله، فصرت إليه فقلت: أنت ابن أبي طالب؟
فقال: أنا ابن ابنه. قلت فبك وبأبيك. أسبّهما. فلما انقضى كلامي قال:
أحسبك غريبا، قلت: أجل. قال: فمل بنا، فإن احتجت إلى منزل أنزلناك، أو إلى مال آسيناك، أو إلى حاجة عاونّاك. قال: فانصرفت عنه وما على الأرض أحبّ إليّ منه.
وقال معاوية: إذا لم يكن الهاشمي جوادا لم يشبه قومه، وإذا لم يكن المخزومي تيّاها لم يشبه قومه، وإذا لم يكن الزبيري شجاعا لم يشبه قومه، وإذا لم يكن الأمويّ حليما لم يشبه قومه.
فبلغ ذلك الحسن عليه السلام، فقال: ما أحسن ما نظر لقومه! أراد أن يجود بنو هاشم بأموالهم فيفتقروا، وتزهى بنو مخزوم فتبغض وتشنأ، ويحارب بنو الزبير فيتفانوا، وتحلم بنو أمية فتحبّ.
وقال عليه السلام لحبيب بن مسلمة: رب مسير لك في غير طاعة الله.
فقال: أمّا مسيري إلى أبيك فلا. قال: بلى. ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة. ولعمري لئن قام بك في دنباك لقد قعد بك في دينك. ولو أنّك إذ فعلت
شرّا قلت خيرا كما قال الله تعالى: {خَلَطُوا عَمَلًا صََالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} [التّوبة: الآية 102] ولكنك فعلت شرّا وقلت شرّا فأنت كما قال الله تعالى: {كَلََّا بَلْ رََانَ عَلى ََ قُلُوبِهِمْ مََا كََانُوا يَكْسِبُونَ (14) } [المطفّفين: الآية 14] .