وخطب لما ورد عليه خبر مقتل محمد بن أبي بكر، وغلبة أصحاب معاوية على مصر، قال بعد أن حمد الله: ألا إنّ مصر أصبحت قد فتحت، ألا وإن محمد بن أبي بكر قد أصيب رحمه الله، وعند الله نحتسبه. أما والله إن كان لمن ينتظر القضاء، ويعمل للجزاء، ويبغض شكل الفاجر، ويحبّ هدى المؤمن. إني والله لا ألوم نفسي في تقصير ولا عجز إنّي بمقاساة الحرب جدّ عالم خبير، وإني لأقدم في الأمر فأعرف وجه الحزم، وأقوم فيه بالرأي المصيب معلنا، وأناديكم نداء المستغيث فلا تسمعون لي قولا، ولا تطيعون لي أمرا حتّى تصير بي الأمور إلى عواقب الفساد، وأنتم لا تدرك بكم الأوتار، ولا يشفى بكم الغليل. دعوتكم إلى غياث إخوانكم، فجرجرتم جرجرة الجمل الأسرّ، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليس له نية في إجهاد عدوّ، ولا احتساب أجر. وخرج جنيد ضعيف {كَأَنَّمََا يُسََاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} [الأنفال: الآية 6] .
وقال في خطبته بالبصرة: يا أهل البصرة يا أهل المؤتفكة ائتفكت بأهلها ثلاثا وعلى الله تمام الرابعة. يا جند المرأة، وأعوان البهيمة، رغا فأجبتم وعقر فتفرّقتم.
وخطب فقال: انظروا إلى الدّنيا نظر الزّاهدين فيها فإنّها والله عن قليل تزيل الثّاوي الساكن، وتبخع المترف الآمن، لا يرجع ما تولّى منها فأدبر، ولا يدرى ما هو آت منها فينتظر، سرورها مشوب بالحزن، وآخر الحياة فيها إلى الضّعف والوهن، فلا يغرّنّكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلّة ما يصحبكم منها. رحم الله رجلا تفكّر فاعتبر، فأبصر إدبار ما قد أدبر، وحضور ما حضر فكأنّ ما هو كائن في الدّنيا لم يكن، وكأنّ ما هو كائن في الآخرة لم يزل.
وقال جندب [1] : دخلنا عليه فقال: أما إنكم ستلقون بعدي ثلاثا ذلّا شاملا، وسيفا قاتلا، وأثرة يتّخذها الظالمون عليكم سنّة، فتودّون عند ذلك لو رأيتموني فنصرتموني وقاتلتم دوني، لا يبعد الله إلّا من ظلم!.
فكان جندب بعد ذلك إذا رأى شيئا مما يكره يبكي ويقول: أبعد الله الظالم.
وقال في خطبة له: وأيم الله إنكم لو قد رأيتم الموت لانفرجتم عن عليّ بن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها فقال له رجل: أفلا كما فعل عثمان، فقال: إن الذي فعل عثمان مجزاة لمن لا نصرة له، ولا حجّة معه، فأما وأنا على بيّنة من ربّي، ويقين وعهد من نبيّي كلّا والله: إن امرءا يمكن من نفسه عدوّه فيهشم عظمه، ويفري جلده لعظيم عجزه، ضعيف ما ضمّت عليه الأحشاء من صدره، وأنت فكن ذاك إن شئت. فأمّا أنا فو الله لأعطينّ دون ذلك ضربا بالمشرفيّ تطير له فراش الهام [2] ، والله يفعل ما يشاء.
(1) هو جندب بن زهير بن الحارث الأزدي، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه وأسلم، وكان مع علي بن أبي طالب في يومي الجمل وصفين، اختلف في سنة وفاته (انظر: الإصابة 1/ 259) .
(2) فراش الهام: هي العظام الرقاق التي تلي قحف الرأس.