وقال: ذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم لمن صرّحت له العبر ألّا يهيج على التّقوى زرع قوم، ولا يظمأ على التّقوى سنخ أصل. ألا وإن أبغض خلق الله إلى الله رجل قمش علما [1] ، غارّا بأغباش الفتنة، عميا بما في غيب الهدنة، سمّاه أشباهه من الناس عالما ولم يغن في العلم يوما سالما، بكّر فاستكثر. مما قلّ منه فهو خير مما كثر، حتى إذا ما ارتوى من آجن، واكتنز من غير طائل، قعد بين الناس قاضيا لتخليص ما التبس على غيره، إن نزلت به إحدى المبهمات هيّأ حشوا من رأيه، فهو من قطع الشّبهات في مثل غزل العنكبوت، لا يعلم إذا أخطأ لأنّه لا يعلم أخطأ أم أصاب. خبّاط عشوات ركّاب جهالات، لا يعتذر ممّا لا يعلم فيسلم، ولا يعضّ في العلم بضرس قاطع، يذرو الرّواية ذرو الرّيح الهشم، تبكي منه الدّماء وتصرخ منه المواريث، ويستحلّ بقضائه الفرج الحرام. لا مليء والله بإصدار ما ورد عليه، ولا أهل لما قرّظ به.
وكتب إلى ابن عباس حين أخذ من مال البصرة ما أخذ: إنّي أشركتك في أمانتي، ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي، فلمّا رأيت الزّمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ قد حرب، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ، بفراقه مع المفارقين، وخذلانه مع الخاذلين، واختطفت ما قدرت عليه من أموال الأمّة اختطاف الذئب الأزلّ [2] دامية المعزى ضحّ رويدا، فكأن قد بلغت المدى، وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي المغترّ بالحسرة، ويتمنّى المضيّع التّوبة، والظّالم الرّجعة.
وروي عنه عليه السلام أنه قال يوم الشّورى لما تكلم عبد الرّحمن بن عوف [3] بما تكلم:
(1) قمش علما: أي جمع من هنا وهناك.
(2) الذئب الأزل: الخفيف السريع الحركة.
(3) هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، أبو محمد القرشي الزهري، أسلم قديما على يدي أبي بكر الصديق، وهاجر إلى الحبشة وإلى المدينة، وشهد بدرا وما بعدها، توفي سنة 32هـ (البداية والنهاية 7/ 160158) .