أما بعد فإنّ اجتماعنا مما قدّر الله ورضيه، والنكاح ممّا أمر الله به، وأذن فيه. هذا محمد صلى الله عليه وسلم قد زوّجني فاطمة ابنته على صداق أربعمائة درهم وثمانين درهما، ورضيت به، فاسألوه، وكفى بالله شهيدا.
وقال: إن الله تعالى جعل مكارم الأخلاق وصلة بينه وبين خلقه، فحسب أحدكم أن يتمسك بخلق متصل بالله عزّ وجلّ.
قال الأحنف [1] : دخلت على معاوية، فقدم لي من الحارّ والبارد، والحلو والحامض ما كثر تعجّبي منه، ثم قدم لي لونا لم أدر ما هو، فقلت: ما هذا؟
قال: مصارين البط محشوة بالمخ قد قلي بدهن الفستق وذرّ عليه الطبرزد [2] .
فبكيت. فقال: ما يبكيك؟ قلت: ذكرت عليّا رضي الله عنه. بينا أنا عنده وحضر وقت إفطاره فسألني المقام، إذ دعا بجراب مختوم، قلت: ما في الجراب؟ قال: سويق شعير، قلت: ختمت عليه أن يؤخذ أو بخلت به؟ قال:
لا ولا أحدهما، ولكني خفت أن يلتّه الحسن أو الحسين بسمن أو زيت.
قلت: محرّم هو يا أمير المؤمنين؟ قال: لا ولكن يجب على أئمّة الحقّ أن يعتدّوا أنفسهم من ضعفة الناس لئلّا يطغي الفقير فقره، فقال معاوية: ذكرت من لا ينكر فضله.
وقال عليّ عليه السلام: لا يكون الصديق صديقا، حتى يحفظ صديقه في غيبته وعند نكبته وبعد وفاته في تركته.
قيل له: كيف يحاسب الله الخلق على كثرة عددهم؟ قال: كما يرزقهم على كثرة عددهم.
(1) الأحنف: هو أبو بحر، الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين المري السعدي المنقري التميمي، سيد تميم، اسمه الضحاك، وقيل: صخر، وشهر بالأحنف لحنف رجليه وهو العوج والميل يضرب به المثل في الحلم، أدرك النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يره، ووفد على عمر بن الخطاب، وولي خراسان، وكان صديقا لمصعب بن الزبير، توفي سنة 72هـ (كذا في الأعلام وجمهرة الأنساب، وفي سير أعلام النبلاء ووفيات الأعيان توفي سنة 67هـ) (انظر الأعلام 1/ 276، جمهرة الأنساب ص 206، وفيات الأعيان 2/ 499، سير أعلام النبلاء 4/ 9786) .
(2) الطبرزد: السكّر، معرب.