وأما عبد الله بن جعفر فصاحب لهو وظلّ باطل. وأما أنا والحسين فنحن منكم وأنتم منّا، ولقد خشيت أن يدال هؤلاء القوم عليكم، وليس ذاك: ألا أن تكونوا أولى بالحقّ منهم، ولكن بطاعتهم إمامهم وعصيانكم إمامكم، وإصلاحهم في أرضهم وإفسادكم في أرضكم، واجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقّكم، حتى لا يدعون بيت مدر ولا وبر إلا أدخلوه ظلمهم حتى يقوم الباكيان باك لدينه وباك لدنياه، وحتى لا تكون نصرة أحدكم منهم إلا كنصرة العبد من سيّده، إن شهده أطاعه، وإن غاب عنه سبّه، فإن أتاكم الله بعافية فاقبلوها، وإن ابتليتم فاصبروا فإنّ العاقبة للمتقين.
ويروى عنه أنه قال: الحرص مقدّمة السّكون.
وقال في قوله تعالى: {أَكََّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة: الآية 42] هو الرجل يقضي لأخيه حاجته ثمّ يقبل هديّته.
قال الحارث الأعور: ما رأيت أحدا أحسن من علي عليه السلام، أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين مات رجل وخلف ابنتين، وأبوين، وزوجة، فقال: صار ثمنهما تسعا.
هذه الفريضة من أربعة وعشرين سهما، للبنتين الثلثان، ستة عشر سهما، وللأبوين السدسان ثمانية أسهم، وكمل المال وعالت الفريضة واحتيج للمرأة إلى ثمن الأربعة والعشرين سهما، وصار الثمن من أربعة وعشرين تسعا من سبعة وعشرين. هذا معنى قوله.
وخطب فقال: أما بعد فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة. فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله الذلّ، وسيم الخسف، وديّث بالصّغار وقد دعوتكم لحرب هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرّ وإعلانا، وقلت لكم: اغزوهم من قبل أن يغزوكم فو الّذي نفسي بيده ما غزي قوم قطّ في عقر دارهم إلّا ذلّوا فتخاذلتم وتواكلتم، وثقل عليكم قولي، واتّخذتموه وراءكم ظهريّا حتى شنّت عليكم الغارات. هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار، وقتلوا حسّان بن حسان ورجالا منهم كثيرا ونساء، والّذي نفسي بيده لقد بلغني أنّه كان يدخل على المرأة المسلمة والمعاهدة، فينزع حجالهما ورعثهما، ثم انصرفوا موفورين لم
يكلم أحد منهم كلما. فلو أنّ امرءا مسلما مات من دون هذا أسفا ما كان فيه عندي ملوما بل كان به جديرا. يا عجبا كلّ العجب من تضافر هؤلاء القوم على باطلهم وفشلكم عن حقّكم! إذا قلت لكم اغزوهم في الشتاء قلتم هذا أوان قرّ وصرّ، وإن قلت لكم اغزوهم في الصيف قلتم: هذه حمارة القيظ، أنظرنا ينصرم الحرّ عنا فإذا كنتم من الحرّ والبرد تفرّون، فأنتم والله من السّيف أفرّ. يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا طغام الأحلام، ويا عقول ربّات الحجال، والله لقد أفسدتم عليّ رأيي بالعصيان، ولقد ملأتم جوفي غيظا، حتى قالت قريش: ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا رأي له في الحرب. لله درّهم، ومن ذا يكون أعلم بها منّي أو أشدّ لها مراسا؟ فو الله لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، ولقد نيّفت اليوم على الستين. ولكن لا رأي لمن لا يطاع، لا رأي لمن لا يطاع، لا رأي لمن لا يطاع يقولها ثلاثا.