وتمثّل عليه السلام في طلحة بن عبيد الله: [الطويل]
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر [1]
ولما انقضى يوم الجمل خرج في ليلة ذلك اليوم، ومعه قنبر ومعه شعلة نار يتصفّح وجوه القتلى، حتى وقف عليه، فقال: أعزز على أبا محمد أن أراك معفّرا تحت نجوم السماء وفي بطون الأودية! شفيت نفسي وقتلت معشري إلى الله أشكو عجري وبجري [2] وقال: العجب لمن يهلك والنجاة معه. فقيل: ما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: الاستغفار.
وقال: الدنيا دار ممرّ لا دار مقرّ، والناس فيها رجلان رجل باع نفسه فأوثقها، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها.
وقال: مكابرة النّكابات بالحيلة قبل انتهائها زيادة فيها. وقال لرجل: كيف أنت؟ قال: أرجو الله وأخافه. فقال: من رجا شيئا طلبه، ومن خاف شيئا توقّاه.
وقال: قصم ظهري رجلان: جاهل متنسّك، وعالم متهتّك.
وسمع حالفا يقول: والذي احتجب بسبع، فقال: ويلك. إن الله لا يحجبه شيء، فقال: هل أكفّر عن يميني؟ فقال: لا، لأنّك حلفت بغير الله.
وقال: من وضع معروفا في غير موضعه عاد عليه وبالا.
وروي عن المسيب بن نجبة الفزاري [3] قال: خطبنا علي عليه السلام.
فقال: ألا أخبركم بذات نفسي؟ أما الحسن ففتى من الفتيان صاحب جفنة وخوان. ولو قد التفّت حلقتا البطان لم يغن عنكم في الحرب حبالة عصفور.
(1) البيت لسلمة بن يزيد الجعفي في حماسة البحتري ص 71.
(2) عجري وبجري: أي عيوبي وأحزاني، وما أبدي وما أخفي.
(3) هو المسيب بن نجبة بن ربيعة الفزاري، تابعي، من أهل الكوفة، شايع عليا، وثار مع التوابين في طلب ثأر الحسين، قتله عبيد الله بن زياد يوم المختار بن أبي عبيد في شهر رمضان سنة 67هـ، وقيل سنة 65هـ (انظر: كتاب الثقات لابن حبان 5/ 437، الطبقات الكبرى لابن سعد 6/ 241، الأعلام 8/ 125) .