وهلمّ إلى الخطب الجليل، إلى ابن أبي سفيان، فلقد أضحكني الدّهر بعد إبكائه، ولا غرو، يئس القوم من هيبتي، وجدحوا بيني وبينهم شربا وبيئا فإن تك للإيّام عاقبة أحملهم من الأمر على محضه، وإن تكن الأخرى فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، ولا تأس على القوم الفاسقين.
وقال: الفقيه كلّ الفقيه من لم يرخّص في معصية الله، ولم يوئس من رحمة الله.
وأخذ قوما في سرق فأمر بحبسهم، فجاء رجل آخر، فقال: يا أمير المؤمنين إنّي كنت معهم، وقد تبت، فأمر بأخذه وقال متمثلا: [البسيط]
ومدخل رأسه لم يدعه أحد ... بين الفريقين حتى لزّه القرن [1]
وقال: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له. وقال: من ترفّع بعلمه وضعه الله بعمله. وقال: من لم يحسن ظنّه بالظّفر لم يجدّ في الطّلب.
وقال عليه السلام: إن أخيب الناس سعيا، وأخسرهم صفقة رجل أتعب بدنه في آماله، وشغل بها عن معاده، فلم تساعده المقادير على إرادته، وخرج من الدّنيا بحسرته، وقدم بغير زاد على آخرته.
وقال: إنّ أخوف ما أخاف عليكم إذا تفقّه لغير الدّين، وتعلّم لغير العمل، وطلبت الدّنيا بعمل الآخرة.
وروى الشعبي [2] عنه أنه قال: تجنّبوا الأماني فإنّها تذهب بهجة ما خوّلتم، وتصفر مواهب الله عندكم، وتعقبكم الحسرات على ما أوهمتكم أنفسكم.
وقال: الهيبة مقرونة بالخيبة، والحياء مقرون بالحرمان، والفرصة تمرّ مرّ السّحاب.
والبيت لامرىء القيس في ديوانه ص 94.
(1) البيت في تاريخ اليعقوبي 2/ 92.
(2) الشعبي: هو أبو عمرو، عامر بن شراحيل بن عبد الشعبي، كوفي تابعي جليل القدر وافر العلم، توفي سنة 109هـ (أسماء التابعين 1/ 267، والطبقات الكبرى لابن سعد 6/ 259) .