مرّ عبد الله بن المبارك [1] برجل واقف بين مقبرة ومزبلة فقال: يا رجل، إنك بين كنزين: كنز الأموال، وكنز الرجال.
دخل الإسكندر مدينة فتحها، فسأل عن أولاد الملوك بها، فقال أهلها:
بقي رجل منهم يسكن المقابر، فدعا به فأتاه، فقال له: ما دعاك إلى لزوم المقابر؟ قال: أحببت أن أميّز بين عظام ملوكهم وعظام عبيدهم، فوجدتهما سواء، فقال له الإسكندر: هل لك أن تتبعني فأحيي شرفك وشرف آبائك إن كانت لك همّة؟ فقال: همّتي عظيمة، فقال: وما هي؟ قال: حياة لا موت معها وشباب لا هرم معه، وغنى لا فقر معه، وسرور لا مكروه فيه، قال: ليس عندي هذا، قال: فدعني ألتمسه ممن هو عنده.
قال مطرّف: إني لأستلقي بالليل على فراشي فأتدبر القرآن كلّه، فأعرض نفسي على أعمال أهل الجنة فأرى أعمالهم شديدة {كََانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مََا يَهْجَعُونَ} (17) [الذّاريات: الآية 17] . {يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيََامًا} [الفرقان:
الآية 64]. {أَمَّنْ هُوَ قََانِتٌ آنََاءَ اللَّيْلِ سََاجِدًا وَقََائِمًا} [الزّمر: الآية 9] . {تَتَجََافى ََ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضََاجِعِ} [السّجدة: الآية 16] . فلا أرى صفتي فيهم. ثم أعرض نفسي على أعمال أهل النار {مََا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} (42) [المدّثّر: الآية 42] .
{وَأَمََّا إِنْ كََانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضََّالِّينَ} (92) [الواقعة: الآية 92] فلا أراني فيهم. ثم أمرّ بهذه الآية {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} [التّوبة: الآية 102] فأرجو أن أكون أنا وأنتم يا إخواننا منهم.
قال يحيى بن معاذ [2] : الوعد حق الخلق على الله، فهو أحقّ من وفى، والوعيد حقه على الخلق، فهو أحق من عفا.
(1) هو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، أبو عبد الرحمن المروزي، تركي الأب، الخوارزمي، نزيل بغداد، ولد سنة 118هـ، وتوفي بهيت سنة 181، من تصانيفه: «أربعين في الحديث» ، «تفسير القرآن» ، «الدقائق في الرقائق» ، «رقاع الفتاوى» ، «كتاب البر والصلة» ، «كتاب التاريخ» ، «كتاب الجهاد» ، «كتاب الزهد» ، «كتاب السنن في الفقه» . (كشف الظنون 5/ 438، وانظر ترجمته أيضا في: كتاب الوفيات ص 143، شذرات الذهب 1/ 295، حلية الأولياء 8/ 162، البداية والنهاية 10/ 188186) .
(2) هو يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي، الواعظ، كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، خرج إلى بلخ وأقام فيها مدة، ثم رجع إلى نيسابور، وتوفي بها سنة 258هـ (انظر ترجمته في: البداية