فهرس الكتاب

الصفحة 1546 من 1777

لولا أني أصدق في هذا لقلت لك: لا.

وتحدثوا عن عمرو بن معديكرب أنه كان معروفا بالكذب، وأنّ أهل الكوفة الأشراف كانوا يظهرون بالكناسة فيتحدّثون على دوابّهم إلى أن تطردهم الشمس، فوقف عمرو بن معدي كرب، وخالد بن الصّقعب النهدي وأقبل عمرو يحدّثه فقال: أغرنا على بني نهد، فخرجوا مستغيثين بخالد بن الصقعبي فحملت عليه فطعنته فأذريته ثم ملت عليه بالصّمصامة فأخذت رأسه فقال خالد: خلا أبا ثور، إنّ قتيلك هو المحدّث، فقال: يا هذا إذا حدّثت فاسمع، فإنّما يتحدّث بمثل هذا لنرهب به الأعداء.

وقيل: لخلف الأحمر [1] وكان شديد التعصّب لليمن أكان عمرو بن معديكرب يكذب؟ فقال: كان يكذب في المقال، ويصدق في الفعال.

وذكر أنّ قاصّا كان يكثر التحديث عن هرم بن حيّان، فاتّفق أن كان معه هرم في المسجد وهو يقول: حدّثني هرم مرة بعد مرة بأشياء لا يعرفها هرم فقال له: يا هذا أتعرفني؟ أنا هرم بن حيّان، ما حدّثتك بهذا من شيء، فقال له القاصّ: وهذا أيضا من عجائبك، أنه ليصلّي في المسجد خمسة عشر رجلا اسم كل واحد منهم هرم، فكيف توهّمت أن ليس في الدنيا هرم غيرك؟

وشبيه بهذا ما شهدناه، وهو أنّه لما وفد أبو القاسم بن بابك على الصّاحب رحمه الله وأنشده مدائحه فيه، طعن عليه بعض الحاضرين وذكر أنه منتحل وأنه ينشد قصائد قد قالها ابن نباتة، فأراد الصاحب أن يمتحن، فاقترح عليه أن يقول قصيدة يصف فيها الفيل على ورق عرد، فقال أبو القاسم قصيدته المعروفة التي أجاد فيها واستحسنها الصّاحب. وقال له: شككت له، خيّب الشكّ، ولام الطّاعن على كذبه، وادّعائه أنه ينتحل شعر غيره فقال: يا مولانا، هذا والله معه ستّون فيلية، كلها على هذا الورق لابن نباتة.

وقال المبرّد كان بالرقة قاصّ يكثر الحديث عن بني إسرائيل، فيظنّ به

(1) هو خلف بن حيان، أبو محرز البصري المعروف بخلف الأحمر، توفي سنة 180هـ، صنف كتاب «خيال العرب، وما قيل فيه من الشعر» (كشف الظنون 5/ 348، وانظر ترجمته في: مراتب النحويين 46، طبقات النحويين 161، نزهة الألباء 37، إنباه الرواة 1/ 348، بغية الوعاة 242) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت