فهرس الكتاب

الصفحة 1121 من 1777

وفي كتاب لنافع بن الأزرق [1] كتبه إلى قعدة الخوارج: ولا تطمئنّوا إلى الدنيا فإنها غرّارة، مكّارة، لذتها نافذة ونعيمها بائد. حفّت بالشهوات اغترارا، وأظهرت حبرة، وأضمرت عبرة، فليس لآكل منها أكلة تسرّه، ولا شربة تونقه إلّا دنا بها درجة إلى أجله، وتباعد بها مسافة من أمله. وإنما جعلها الله دارا لمن تزوّد منها إلى النّعيم المقيم، والعيش السليم، فلن يرضى بها حازم دارا، ولا حكيم بها قرارا، فاتقوا الله: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزََّادِ التَّقْوى ََ} [البقرة: 197] . والسلام على من اتبع الهدى.

ولما حاربهم المهلّب بسلّى، وسلّيرى، فقتل رئيسهم: ابن الماخور اجتمعوا على الزبير بن علي من بني سليط، وبايعوه، فرأى فيهم انكسارا شديدا، فقال لهم: اجتمعوا. فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى الله على محمد صلّى الله عليه وسلّم ثم أقبل عليهم فقال: إن البلاء للمؤمنين تمحيص وأجر، وهو على الكافرين عقوبة وخزي، وإن نصب منكم أمير المؤمنين فما صار إليه خير مما خلّف. وقد أصبتم فيهم مسلم بن عبيس، وربيعا الأجذم، والحجاج بن باب، وحارثة بن بدر، وأشجيتم بالمهلّب، وقتلتم أخاه المعارك، والله يقول لإخوانكم من المؤمنين: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيََّامُ نُدََاوِلُهََا بَيْنَ النََّاسِ} [آل عمران: 140] فيوم سلّى كان لكم بلاء وتمحيصا، ويوم سولاف كان لهم عقوبة ونكالا، فلا تغلبنّ عن الشكر في حينه، والصّبر في وقته، وثقوا بأنكم المستخلفون في الأرض والعاقبة للمتقين.

ولمّا استردّ مصعب المهلب من وجه الأزارقة، وولاه الموصل شاور الناس فيمن يستكفيه أمر الخوارج، قال قوم: ولّ عبيد الله بن أبي بكرة. وقال قوم: ولّ عمر بن عبيد الله بن معمر. وقال قوم: ليس لهم إلا المهلب فاردده إليهم.

وبلغت المشورة الخوارج، فأرادوا الأمر بينهم. فقال: قطريّ ابن الفجاءة المازني: إن جاءكم عبيد الله بن أبي بكرة أتاكم سيد، سمح، كريم، جواد مضيّع

(1) هو نافع بن الأزرق بن قيس الحنفي البكري الوائلي الحروري، أبو راشد، رأس الأزارقة من الخوارج وإليه نسبتهم، كان أمير قومه وفقيههم. توفي سنة 65هـ (الأعلام 7/ 351) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت