فهرس الكتاب

الصفحة 1116 من 1777

هل زوّدتهم إلا السّغب، وأحلّتهم إلا الضّنك، أو نوّرت لهم إلّا الظلمة أو

أعقبتهم إلّا النّدامة؟ أفهذه تؤثرون أم على هذه تحرصون؟ أم إليها تطمئنّون؟

يقول الله عزّ وجل: {مَنْ كََانَ يُرِيدُ الْحَيََاةَ الدُّنْيََا وَزِينَتَهََا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمََالَهُمْ فِيهََا وَهُمْ فِيهََا لََا يُبْخَسُونَ} (15) [هود: 15] . فبئست الدار لمن أقام فيها. فاعلموا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها لا بدّ، فإنّما هي كما وصفها الله باللّعب، واللهو. وقد قال الله تعالى: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصََانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذََا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبََّارِينَ} (130) [الشعراء: 130128] .

ذكر الذين قالوا: {مَنْ أَشَدُّ مِنََّا قُوَّةً} [فصلت: 15] ثم قال: حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا، وأنزلوا فلا يدعون ضيفانا، وجعل الله لهم من الضّريح أجنانا، ومن التّراب أكفانا، ومن الرّفات جيرانا، وهم جيرة لا يجيبون داعيا، ولا يمنعون ضيما، إن خصبوا لم يفرحوا، وإن قحطوا لم يقنطوا. جميع وهم آحاد، جيرة وهم أبعاد، متناؤون لا يزورون، ولا يزارون.

حلماء قد ذهبت أضغانهم، وجهلاء قد ماتت أحقادهم، لا يخشى فجعهم، ولا يرجى دفعهم، وكما قال الله تعالى: {فَتِلْكَ مَسََاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلََّا قَلِيلًا وَكُنََّا نَحْنُ الْوََارِثِينَ} [القصص: 58] .

واستبدلوا بظهر الأرض بطنا، وبالسّعة ضيقا، وبالأهل غربة، وبالنور ظلمة، ففّارقوها كما جاؤوها حفاة، عراة، فرادى، غير أن ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة، وإلى خلود الأبد، يقول الله تبارك وتعالى: {كَمََا بَدَأْنََا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنََا إِنََّا كُنََّا فََاعِلِينَ} [الأنبياء: 104] .

فاحذروا ما حذّركم الله، وانتفعوا بمواعظه، واعتصموا بحبله، عصمنا الله وإياكم بطاعته، ورزقنا وإياكم أداء حقّه.

قالوا: لمّا أخذ أبو بيهس الخارجيّ، وقطعت يداه، ورجلاه، ترك يتمرّغ في التّراب. فلمّا أصبح قال: هل أحد يفرغ عليّ دلوين؟ فإنّي احتملت في هذه اللّيلة.

هذا إن كان صادقا فهو عجيب، وإن كان قاله استهانة بمن فعل ذلك فهو أعجب.

قال بعضهم: سمعت أبا بلال في جنازة وهو يقول: ألا كلّ ميتة ظنون إلّا ميتة الشجّاء. قالوا: وما ميتة الشجاء؟ قال: امرأة أخذها زياد فقطع يديها،

ورجليها، فقيل لها: كيف ترين يا شجّاء؟ قالت: قد شغلني هول المطّلع عن برد حديدكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت