فهرس الكتاب

الصفحة 1115 من 1777

مع أنّ أمرأ لم يكن منها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة. ولم يلق من سرّائها بطنا إلّا منحته من ضرّائها ظهرا، ولم تظله غيمة رخاء إلّا هطلت عليه مزنة بلاء، وحريّة إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له خاذلة متنكّرة، وإن جانب منها اعذوذب واحلولى أمرّ عليه منها جانب وأوبى.

وإن آتت امرأ من غضارتها ورقا أرهقته من نوائبها تعبا، ولم يمس منها امرؤ في جناح أمن إلّا أصبح منها على قوادم خوف، غرّارة، غرور ما فيها، فانية فان من عليها. لا خير في شيء من زادها إلّا التّقوى. من أقلّ منها استكثر مما يؤمّنه، ومن استكثر منها استكثر ممّا يوبقه. ويطيل حزنه، ويبكي عينه، كم واثق بها فجعته، وذي طمأنينة إليها قد صرعته، وذي احتيال فيها قد خدعته، وكم ذي أبّهة فيها قد صيّرته حقيرا، وذي نخوة قد ردّته ذليلا، ومن ذي تاج قد كبّته لليدين، وللفم.

سلطانها دول، وعيشها رنق، وعذبها أجاج، وحلوها صبر، وغذاؤها سمام، وأسبابها رمام، وقطافها سلع حيّها بعرض موت، صحيحها بعرض سقم، منيعها بعرض اهتضام، مليكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وسليمها منكوب، وجارها محروب، مع أنّ وراء ذلك سكرات الموت، وهول المطّلع، والوقوف بين يدي الحكم العدل {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسََاؤُا بِمََا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى}

[النجم: 31] .

ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا، وأوضح منكم آثارا، وأعدّ عديدا، وأكثف جنودا، وأشدّ عنودا.

تعبّدوا للدنيا أيّ تعبّد، وآثروها أي إيثار، وظعنوا عنها بالكره والصّغار فهل بلغكم أنّ الدنيا سمحت لهم نفسا بفدية، أو أغنت عنهم فيما قد أهلكتهم بخطب؟

بل قد أرهقتهم بالفوادح، وضعضعتهم بالنوائب، وعقرتهم بالفجائع، وقد رأيتم تنكّرها لمن دان لها وآثرها وأخلد إليها، حين ظعنوا عنها لفراق الأبد إلى آخر المسند.

هل زوّدتهم إلا السّغب، وأحلّتهم إلا الضّنك، أو نوّرت لهم إلّا الظلمة أو

أعقبتهم إلّا النّدامة؟ أفهذه تؤثرون أم على هذه تحرصون؟ أم إليها تطمئنّون؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت