فهرس الكتاب

الصفحة 1099 من 1777

عاد الحسن عبد الله بن الأهتم في مرضه الذي مات فيه، فأقبل عبد الله يضرب ببصره إلى صندوق في جانب البيت، ثم قال للحسن يا أبا سعيد: ما تقول في مائة ألف في هذا الصّندوق لم يؤدّ منها زكاة، ولم يوصل بها رحم؟ فقال الحسن: ثكلتك أمّك. فلم أعددتها؟ قال: أعددتها لروعة الزّمان، ومكاثرة الإخوان، وجفوة السّلطان، ثم مات فحضر الحسن جنازته فلمّا دفن ضرب بإحدى يديه على الأخرى، ثم قال: إن هذا أتاه شيطانه، يحذّره رومة زمانه، وجفوة سلطانه، ومكاثرة إخوانه فيما استودعه الله إيّاه، ثمّ خرج منه حربيا، سلبيا لم يؤدّ منها زكاة، ولم يصل منها رحما. ثم التفت فقال: أيّها الوارث. كل هنيئا فقد

أتاك هذا المال حلالا، فلا يكن عليك وبالا، أتاك ممّن كان له جموعا منوعا، يلجّج فيه لجج البحار، ومفاوز القفار، من باطل جمعه ومن حقّ منعه، لم ينتفع به، في حياته، وضرّه بعد وفاته، جمعه فأوعاه، وشدّه فأوكاه، إنّ يوم القيامة ليوم ذو حسرات، وإنّ أعظم الحسرات أن ترى ما لك في ميزان غيرك ذاك رجل أتاه الله مالا حلالا فبخل أن ينفقه في طاعة الله فورّثه الله غيره، فأنفقه في طاعة الله.

فيا لها حسرة لا تقال. ورحمة لا تنال فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

وقال ابن آدم: بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا.

يا بن آدم: وإذا رأيت النّاس في الخير فنافسهم فيه. وإذا رأيت الناس في الشرّ فلا تغبطهم. الثّواء قليل ها هنا، والبقاء طويل هناك. أمّتكم آخر الأمم وأنتم آخر أمّتكم، وقد يسرع بخياركم فماذا تنتظرون؟ المعاينة: فكأنّ قد. هيهات هيهات ذهبت الدنيا لحال بالها، وبقيت الأعمال قلائد في أعناق بني آدم، فيا لها موعظة لو وافقت قبولا! إنّه والله لا أمّة بعد أمّتكم، ولا نبيّ بعد نبيّكم، ولا كتاب بعد كتابكم. أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم، وإنّما ينتظر بأوّلكم أن يلحق آخركم. من رأى محمدا صلّى الله عليه وسلّم فقد رآه غاديا رائحا، لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة. رفع له علم فشمر إليه فالوحاء الوحاء والنجاء النجاء، علام تعرّجون؟

أتيتم وربّ الكعبة قد أسرع بخياركم وأنتم كل يوم ترذلون. فما تنتظرون؟ إنّ الله بعث محمدا صلّى الله عليه وسلّم على علم منه، واختاره لنفسه، وبعثه برسالته، وأنزل عليه كتابه، وكان خيرته من خلقه، ورسوله إلى عباده، ثم وضعه من الدنيا موضعا ينظر إليه أهل الأرض، وأتاه منها قوتا وبلغة ثم قال: {لَقَدْ كََانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللََّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] فرغب قوم عن عيشه، وسخطوا ما رضي له ربّه، فأبعدهم الله وأسحقهم.

ابن آدم: طأ بقدمك الأرض، فإنّها بعد قليل قبرك واعلم أنك لم تزل في هدم عمرك مذ سقطت من بطن أمّك. رحم الله عبدا نظر ففكر، وفكر فاعتبر، واعتبر فأبصر، وأبصر فصبر، فلقد أبصر أقوام فلم يصبروا فذهب الجزع بقلوبهم، ولم يدركوا ما طلبوا، ولم يرجعوا إلى ما فارقوا. يا بن آدم اذكر قوله:

{وَكُلَّ إِنسََانٍ أَلْزَمْنََاهُ طََائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيََامَةِ كِتََابًا يَلْقََاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتََابَكَ كَفى ََ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} (14) [الإسراء: 1413] ابن آدم عدل عليك من جعلك حسيب نفسك. خذوا من الدنيا ما صفا، وذروا ما كدر، فليس الصفو ما عاد كدرا، ولا الكدر ما عاد صفاء دعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم. ظهر الجفاء، وقلت العلماء. وعفت السّنّة وشاعت البدعة، لقد صحبت أقواما صحبتهم قرة العين وجلاء الصدر ولقد رأيت أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم أشفق منكم من سيّئاتكم أن تعذبوا عليها، وكانوا فيما أحل الله لهم من الدنيا أزهد منكم فيما حرّم عليكم منها. أسمع حسيسا ولا أرى أنيسا. ذهب الناس، وبقيت في النّسناس، ولو تكاشفتم ما تدافنتم، تهاديتم الأطباق، ولم تهادوا النصائح».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت