العمر فحدّث بذلك محمّد بن جعفر فأعجبه، وقال: سبحان الله ما أعجب كلام العرب وأشبه بعضه ببعض؟ والله لكان النّمر بن تولب سمع هذا. فقال [1] :
[الطويل] يسر الفتى طول السّلامة جاهدا ... فكيف ترى طول السّلامة يفعل؟
وقال حميد بن ثور [2] : [الطويل] وحسبك داء أن تصح وتسلما
وكان يدعو ويقول: اللهمّ أعطنا قوة في عبادتك، وبصرا في كتابك، وفهما في حكمك، وآتنا كفلين من رحمتك، بيّض وجوهنا بنورك، واجعل راحتنا في لقائك، واجعل رغبتنا فيما عندك من الخير. اللهمّ إنّنا نعوذ بك من العجز والكسل، والهرم، والجبن، والبخل. اللهم إنّا نعوذ بك من قلوب لا تخشع، وأنفس لا تشبع، اللهمّ إنّا نعيذ بك أنفسنا وأهلينا وذرارينا من الشّيطان الرّجيم.
وقال: إنّما تعظ مسترشدا ليفهم، أو جاهلا ليتعلّم، فأمّا من وضع سيفه وسوطه، وقال: أحذرني فما لك وله؟
وقال: إنّ قوما لبسوا هذه المطارف العتاق، والعمائم الرّقاق، وأوسعوا دورهم، وضيّقوا قبورهم وأسمنوا دوابّهم، وأهزلوا دينهم، طعام أحدهم غصب، وخادمه سخرة، يتكئ على شماله، ويأكل من غير ماله، حتّى إذا أدركته الكظّة، قال: هلمّي يا جارية هاضوما، ويلك! وهل تحطم إلا دينك؟ أين مساكينك؟ أين يتاماك؟ أين ما أمرك الله به، أين؟ أين؟
ورأى رجلا يمشي مشية منكرة، فقال: يخلج في مشيه خلجان المجنون.
لله في كلّ عضو منه لقمة، وللشّيطان لعبة.
كان أبو الحسن اسمه يسار، واسم أمّه خيرة، مولاة لأمّ سلمة أمّ المؤمنين،
(1) البيت في ديوان النمر بن تولب ص 372.
(2) صدره: أرى بصري قد رابني بعد صحة
والبيت في ديوان حميد بن ثور ص 31.