ويقال: إنّ أوّل كلامه أنّه صلّى يوما بأصحابه، ثم انفتل، وأقبل عليهم، فقال: أيها الناس، إنّي أعظكم، وأنا كثير الإسراف على نفسي، غير مصلح لها،
ولا حاملها على المكروه من طاعة ربّها، قد بلوت نفسي في السراء والضراء، فلم أجد لها كثير شكر عند الرّجاء، ولا كبير صبر عند البلاء ولو أنّ الرحل لم يعظ أخاه حتّى يحكم أمر نفسه، ويكمل في الذي خلق له من طاعة ربّه، لقلّ الواعظون الساعون إلى الله بالحثّ على طاعته، ولكن في اجتماع الإخوان واستماع حديث بعضهم من بعض حياة للقلوب، وتذكير من النّسيان، أيها الناس إنما الدنيا دار من لا دار له، وبها يفرح من لا عقل له، فأنزلوها منزلتها. ثم أمسك.
ولمّا مات أخوه بكى، فقيل له: أتبكي يا أبا سعيد؟ فقال: الحمد لله الذي لم يجعل الحزن عارا على يعقوب.
وقال: إذا خرجت من منزلك فلقيت من هو أسنّ منك فقل: هذا خير منّي عبد الله قبلي، وإذا لقيت من هو دونك في السّنّ فقل: هذا خير منّي عصيت الله قبله، وإذا لقيت من هو مثلك فقل: هذا خير منّي أعرف من نفسي ما لا أعرف منه.
وكان يقول: يا عجبا لقوم قد أمروا بالزاد، وأذنوا بالرّحيل، وأقام أوّلهم على آخرهم، فليت شعري ما الذي ينتظرون؟
ونظر إلى النّاس في مصلّى البصرة يضحكون، ويلعبون في يوم عيد، فقال:
إنّ الله عزّ وجل جعل الصّوم مضمارا لعباده ليستبقوا إلى طاعته، ولعمري لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه، ومسيء بإساءته عن تجديد ثوب، أو ترطيل شعر:
وكان يقول: اجعل الدنيا كالقنطرة تجوز عليها ولا تعمرها.
وقال: تلقى أحدهم أبيض بضّا يملخ في الباطل ملخا ينفض مذرويه، ويضرب أصدريه، يقول ها أنذا فاعرفوني. قد عرفناك، فمقتك الله ومقتك الصّالحون.
وقال: نعم الله أكثر من أن تشكر إلا ما أعان عليه، وذنوب ابن آدم أكثر من أن يسلم منها إلا ما عفا عنه.
وكان يقول: ليس العجب ممّن عطب كيف عطب؟ إنما العجب ممّن نجا كيف نجا؟