ما لي أرى عيونا خزرا، ورقابا صعرا، وبطونا بجرا، وشجى لا يسيغه الماء، وداء لا يشرب فيه الدواء: {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} (5) [الزخرف: 5] . كلا والله، بل هو الهناء، والطّلاء حتّى يظهر العذر، ويبوخ الشرّ ويضح الغيب، ويسوّس الجنب، فإنكم لم تخلقوا عبثا، ولن تتركوا
سدى ويحكم إنّي لست أتاويّا [1] أعلم، ولا بدويّا أفهم، قد حلبتكم أشطرا، وقلبتكم أبطنا، وأظهرا فعرفت أنحاءكم، وأهواءكم، وعلمت أن قوما أظهروا الإسلام بألسنتهم، وأسرّوا الكفر في قلوبهم، فضربوا بعض أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وولّدوا الروايات فيهم، وضربوا الاثنين، ووجدوا على ذلك من أهل الجهل من أبنائهم أعوانا يأذنون لهم، ويصغون إليهم. مهلا مهلا. قبل وقوع القوارع وحلول الروائع، هذا لهذا، ومع ذلك فلست أعتنش [2] آئبا ولا أؤنب تائبا. {عَفَا اللََّهُ عَمََّا سَلَفَ وَمَنْ عََادَ فَيَنْتَقِمُ اللََّهُ مِنْهُ وَاللََّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقََامٍ} [المائدة: 95] : فأسرّوا خيرا، وأظهروه وأجهروا به، وأخلصوا، فطالما مشيتم القهقري ناكصين، وليعلم من أدبر وأسرّ أنها موعظة بين يدي نقمة.
ولست أدعوكم إلى هوى يتبع، ولا إلى رأي يبتدع، إني أدعوكم إلى الطريقة المثلى التي فيها خير الآخرة والأولى.
فمن أجاب فإلى رشده، ومن عمي فعن قصده، فهلم إلى الشرائع لا إلى الخدائع ولا تولّوا عن سبيل المؤمنين، ولا تستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، {بِئْسَ لِلظََّالِمِينَ بَدَلًا} (50) [الكهف: 50] . وإياكم وبنيّات الطريق فعندها الترنيق، والرهق وعليكم بالجادة فهي أسدّ وأورد، ودعوا الأمانيّ فقد أردت من كان قبلكم، وليس للإنسان إلا ما سعى، ولله الآخرة والأولى و {لََا تَفْتَرُوا عَلَى اللََّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذََابٍ وَقَدْ خََابَ مَنِ افْتَرى ََ} (61) [طه: 61] ، {رَبَّنََا لََا تُزِغْ قُلُوبَنََا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنََا وَهَبْ لَنََا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهََّابُ} (8) [آل عمران: 8] .
قالوا: إن قتيبة بن مسلم قال لما قدم خراسان: من كان في يده شيء من مال عبد الله بن خازم فلينبذه، وإن كان في فيه فليلفظه، وإن كان في صدره فلينفثه.
فعجب الناس من حسن ما فصّل وقسّم.
وقال قتبيبة: إن الحريص يستعجل الذّلة قبل إدراك البغية.
أهدى عبيد الله بن السّدي إلى عبد الله بن طاهر لما ولي مصر مائة
(1) الأتاوي والأتي: الرجل الغريب.
(2) اعتنش: ظلم.