لما نصّب معاوية ابنه يزيد لولاية العهد أقعده قبة حمراء، فجعل الناس يسلّمون على معاوية، ثم يميلون إلى يزيد حتّى جاءه رجل ففعل ذلك. ثم رجع إلى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، اعلم أنك لو لم تولّ هذا أمور المسلمين لأضعتها والأحنف جالس فقال له معاوية: ما بألك لا تقول يا أبا بحر!! فقال:
أخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت. فقال: جزاك الله عن الطاعة خيرا.
وأمر له بألوف.
فلما خرج الأحنف لقيه الرجل بالباب، فقال: يا أبا بحر: إني لأعلم أن شر ما خلق الله هذا وابنه، ولكنهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال، فلسنا نطمع في استخدامها إلا بما سمعت.
فقال له الأحنف: يا هذا أمسك، فإن ذا الوجهين خليق ألا يكون عند الله وجيها.
وقال الأحنف: ألا أدلكم على المحمدة بلا مرزئة: الخلق السجيح [1]
والكفّ عن القبيح.
وقال الأحنف: ألا أخبركم بأدوأ الداء؟ الخلق الدنيء، واللسان البذيء.
وقال: ثلاث فيّ ما أقولهن إلا ليعتبر معتبر: ما دخلت بين اثنين حتّى يدخلاني بينهما، ولا أتيت باب أحد من هؤلاء ما لم أدع إليه يعني: السّلطان ولا خللت حبوتي إلى ما يقوم إليه الناس.
وقيل له: أي المجالس أطيب؟ قال: ما سلم فيه البصر، واتّدع فهى البدن.
وكان يقول: ما تزال العرب يخبر ما لبست العمائم، وتقلدت السيوف ولم تعدّ الحلم ذلّا ولا التواهب بينها ضعة.
قوله: ليست العمائم يريد ما حافظت على زيّها.
وقال: ما شاتمت أحدا منذ كنت رجلا، ولا زحمت ركبتاي ركبتيه، وإذا لم أصل مجتديّ حتّى ينتح [2] جبينه كما تنتح الحميت [3] فو الله ما وصلته.
وقال: إني لأجالس الأحمق الساعة فأتبين ذلك في عقلي.
(1) الخلق السجيع: اللبن السهل.
(2) النتح: العرق، وخروجه من الجلد.
(3) الحميت: المتين من كل شيء، ورعاء السمن مثن بالرّبّ، والزق الصغير، أو الزّق بلا شعر.