فهرس الكتاب

الصفحة 1008 من 1777

لما نصّب معاوية ابنه يزيد لولاية العهد أقعده قبة حمراء، فجعل الناس يسلّمون على معاوية، ثم يميلون إلى يزيد حتّى جاءه رجل ففعل ذلك. ثم رجع إلى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، اعلم أنك لو لم تولّ هذا أمور المسلمين لأضعتها والأحنف جالس فقال له معاوية: ما بألك لا تقول يا أبا بحر!! فقال:

أخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت. فقال: جزاك الله عن الطاعة خيرا.

وأمر له بألوف.

فلما خرج الأحنف لقيه الرجل بالباب، فقال: يا أبا بحر: إني لأعلم أن شر ما خلق الله هذا وابنه، ولكنهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال، فلسنا نطمع في استخدامها إلا بما سمعت.

فقال له الأحنف: يا هذا أمسك، فإن ذا الوجهين خليق ألا يكون عند الله وجيها.

وقال الأحنف: ألا أدلكم على المحمدة بلا مرزئة: الخلق السجيح [1]

والكفّ عن القبيح.

وقال الأحنف: ألا أخبركم بأدوأ الداء؟ الخلق الدنيء، واللسان البذيء.

وقال: ثلاث فيّ ما أقولهن إلا ليعتبر معتبر: ما دخلت بين اثنين حتّى يدخلاني بينهما، ولا أتيت باب أحد من هؤلاء ما لم أدع إليه يعني: السّلطان ولا خللت حبوتي إلى ما يقوم إليه الناس.

وقيل له: أي المجالس أطيب؟ قال: ما سلم فيه البصر، واتّدع فهى البدن.

وكان يقول: ما تزال العرب يخبر ما لبست العمائم، وتقلدت السيوف ولم تعدّ الحلم ذلّا ولا التواهب بينها ضعة.

قوله: ليست العمائم يريد ما حافظت على زيّها.

وقال: ما شاتمت أحدا منذ كنت رجلا، ولا زحمت ركبتاي ركبتيه، وإذا لم أصل مجتديّ حتّى ينتح [2] جبينه كما تنتح الحميت [3] فو الله ما وصلته.

وقال: إني لأجالس الأحمق الساعة فأتبين ذلك في عقلي.

(1) الخلق السجيع: اللبن السهل.

(2) النتح: العرق، وخروجه من الجلد.

(3) الحميت: المتين من كل شيء، ورعاء السمن مثن بالرّبّ، والزق الصغير، أو الزّق بلا شعر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت