وكان يقول: البخل على الطعام أقبح من البرص على الجسد.
ولما أتى الحجاج البصرة، وندب الناس إلى محاربة الخوارج، واللّحاق بالمهلب، كان عليهم أشد إلحافا، وقد كان أتاهم خبره بالكوفة، فتحمّل الناس قبل قدومه. فيروى عن بعضهم أنه قال: إنا لنتغدّى معه إذ جاءه رجل من بني سليم برجل يقوده، فقال: أصلح الله الأمير. إن هذا عاص. فقال له الرجل:
أنشدك الله أيها الأمير في دمي، فو الله ما قبضت ديوانا قطّ، ولا شهدت عسكرا، وإني لحائك أخذت من تحت ألحف.
فقال: اضربوا عنقه.
فلما أحس بالسيف سجد، فلحقه السيف وهو ساجد فأمسكنا عن الأكل فأقبل علينا الحجاج، فقال: ما لي أراكم صفرت أيديكم واصفرّت وجوهكم، وحدّ نظركم من قتل رجل واحد؟
إن العاصي يجمع خلالا تخلّ بمركزه، ويعصي أميره، ويغرّ المسلمين، وهو أجير لكم، وإنما يأخذ الأجرة لما يعمل، والوالي مخيّر فيه إن شاء قتله وإن شاء عفا.
ثم كتب الحجاج إلى المهلب. أما بعد، فإن بشرا رحمه الله استكره نفسه عليك، وأراك غناءه عنك. وأنا أريك حاجتي إليك فأرني الجد في قتال عدوّك.
ومن خفته على المعصية ممن قبلك فاقتله فإنّي قاتل من قبلي ومن كان عندي من وليّ من هرب عنك فأعلمني مكانه فإني أرى أن آخذ السّميّ بالسمي، والولي بالوليّ.
فكتب إليه المهلّب ليس قبلي إلا مطيع وإنّ الناس إذا خافوا العقوبة كبّروا الذّنب، وإذا أمنوا العقوبة صغّروا الذّنب، وإذا يئسوا من العفو أكفرهم ذاك. فهب لي هؤلاء الذين سمّيتهم عصاة فإنّهم فريقان: أبطال أرجو أن يقتل الله عز وجل بهم العدوّ. ونادم على ذنبه.
وصعد المنبر بعد موت أخيه أو ابنه. فقال: يقولون: مات ويموت الحجاج. فمذ كان ماذا؟ والله ما أرجو الخير كله إلا بعد الموت. والله ما رضي الله
البقاء إلا لأهون خلقه عليه: إبليس، إذ قال: {قََالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى ََ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قََالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ} (37) [الحجر: 3736] .