يقول الله - جل من قائل: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) نظم
بذلك قوله تعالى: (وَمَا هِيَ) يعني: جهنم (إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ) يعرض
من اليقين بما تقدم ذكره من أنه يعذب من يشاء بما شاء أشد العذاب.
ثم أقسم - عز وجل - يقول: (كَلَّا وَالْقَمَرِ(32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) . قرئ
بالمد وبالقصر: (إِذْ أَدْبَرَ) و (إذا دبر) (إِنَّهَا) يعني: جهنم (لَإِحْدَى الْكُبَرِ(35)
أثبت وجودها في معنى التذكار؛ لئلا يتوهم متوهم غير ما في الحقيقة
بل هي إحدى الكبر في هذه الدار، كيف لا وإنما تأسست بفيحها وانبنت على
نفَسَيها ووترهما فتح رحمته عن جنته(مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا
وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ).
(نَذِيرًا لِلْبَشَرِ(36) . أي: جعلنا ذلك نذيرا للبشر، وأكدنا النذارة
بالرسول والرسالة (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ) إلى نيل رحمته والصعود إلى الجنة التي
فتح هذه الرحمة عنها (أَوْ يَتَأَخَّرَ) إلى البعد عن الله تعالى والنار الكبر التي برد ما هنا
وحره موجود عنها.
(كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) .
ليسوا بمرتهنين بأعمالهم، بل هم المكرمون بها.
قوله تعالى: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ(49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51) . القسورة: هو الأسد، ويقال القسورة: ضجيج النَّاس وكثرتهم.
نظم بذلك قوله تعالى: (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً(52)
هو كما قال غيرهم: (لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ) .
(كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ(53) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) . إثارة الآخرة
في الدنيا ويكون المراد أيضًا بالتذكرة السورة، ينتظم بقول القائل: (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ(25) .
(فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ(55) . القرآن.
(هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56) .