ثم احتج فريق منهم بنفي الشفاعة في الآخرة بقوله: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ) ، وبقوله: (أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ) ، وبقوله: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ) ، وزعموا أن شفيع كل امرئ منهم عمله يومئذ؛ فمن حسن عمله نجا به، ومن ساء عمله حق عليه العذاب، ولم يكن له شافع، ولو وجب نفي الشفاعة بما ذكر من هذه الآيات الظاهرة، لوجب تحقيقها بقوله: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) ، وبقوله: (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) ؛ إذ في هاتين الآيتين أن اللَّه تعالى قد يأذن بالشفاعة يومئذ للبعض؛ فثبت أن ما ذكرتم من نفي الشفاعة، لم يقتض نفيا على الإطلاق، بل النفي انصرف إلى بعض الخلائق، ووجب القول بثبوتها لبعضهم.
ثم جاءت الأخبار مفسرة على إيجاب القول بالشفاعة لأهل الكبائر؛ فثبت أن ما ذكر من قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ) ، وقوله: (وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ) ، منصرف إلى أهل الكفر، وبه نقول.
ومن المعتزلة من يحقق الشفاعة، ولكنه يراها للذين يستوجبون استغفار الملائكة في الدنيا، وهم الذين ذكرهم اللَّه تعالى في كتابه: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ) ، فأما أصحاب الكبائر؛ فإنهم لا تنالهم شفاعة أحد؛ بل يخلدون في النار.
فيقال لهم: فأية منفعة تحصل للذين تابوا واتبعوا سبيله في الشفاعة، وهم قد استوجبوا الخلاص بتوبتهم، واتباعهم سبيل الرشاد.