وذِكْر {في الأرض} يؤذن بأن المراد بالهرب في قوله: {ولن نعجزه هرباً} الهربُ من الرجم بالشهب ، أي لا تطمعوا أن تسترقوا السمع فإن رجم الشهب في السماء لا يخطئكم ، فابتدأوا الإِنذار من عذاب الدنيا استنزالاً لقومهم.
ويجوز أن يكون {نعجز} الأول بمعنى مغالب كقوله تعالى: {فما هم بمعجزين} [النحل: 46] أي لا يغلبون قدرتنا ، ويكون {في الأرض} مقصوداً به تعميم الأمكنة كقوله تعالى: {وما أنتم بمعجزين في الأرض} [الشورى: 31] ، أي في مكان كنتم.
والمراد: أنا لا نَغلب الله بالقوة.
ويكون {نعجز} الثاني ، بمعنى الإِفلات ولذلك بُيّن بـ {هرباً} ، والهرب مجاز في الانفلات مما أراد الله إلحاقه بهم من الرجم والاحتراق.
والظن هنا مستعمل في اليقين بقرينة تأكيد المظنون بحرف {لن} الدال على تأبيد النفي وتأكيده.
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13)
قرأ الجمهور وأبو جعفر بكسر الهمزة.
وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وخلف بفتحها عطفاً على المجرور في قوله: {فآمنا به} [الجن: 2] .
والمقصود بالعطف قوله: {فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً} ، وأما جملة {لما سمعنا الهدى ءامنَّا به} فتوطئة لذلك.
بعد أن ذكروا قومهم بعذاب الله في الدنيا أو اطمأنوا بتذكُّر ذلك في نفوسهم ، عادوا إلى ترغيبهم في الإِيمان بالله وحده ، وتحذيرهم من الكفر بطريق المفهوم.
وأريد بالهدى القرآن إذ هو المسموع لهم ووصفوه بالهدى للمبالغة في أنه هاد.
ومعنى {يؤمن بربه ،} أي بوجوده وانفراده بالإِلهية كما يشعر به إحضار اسمه بعنوان الرب إذ الرب هو الخالق فما لا يخلق لا يعبد.
وجملة {فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً} يجوز أن تكون من القول المحكي عن الجن.