رحمة منه، أو توفيقه إياه للتوبة.(لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ
وَهُوَ مَذْمُومٌ)أي. امتنع نبذه بالعراء مذمومأ؛ لوجود التدارك، فالمعتمد في الجواب (لَوْلَا)
هو الحال، لا النبذ؛ لوجوده، العراء: الفضاء الذي لا ساتر له.
(فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ ...(50)
بعد الإنابة، (فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) من عداد الأنبياء. وقيل:
استنباه، وهو خطأ فاحش، وكذا القول بنزول الآية حين أراد أن يدعو على المؤمنين الذين
انهزموا يوم أحد، لأن السورة من أوائل ما نزل بمكة.
(وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ ...(51)
زلقه وأزلقه بمعنى: أزاله عن
مكانه. وصفهم بالمبالغة في العداوة كأنها سرت من القلب والجوارح إلى النظر فصار يعمل
عملها. وإليه أشار من قال:
يتقارضون إذا التقَوْا في موطن ... نَظراً يُزِيلُ مَوَاطئَ الأقدامِ
وقيل: العين. كان في بني أسد، وكان يتجوع منهم رجل ثلاثة أيام، فلا يمر به شيء
يقول: لم أر كاليوم مثله إلا عانه، فأرادوا فعله برسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فوقاه اللَّه بعنايته. وعن
الحسن أن هذه الآية رقية العين، من خاف من إصابة العين فليقرأها، وروى الإمام أحمد بن
حنبل عن ابن عباس - رضي الله عنهما:"وَلَوْ كَانَ شَيء سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ العَين"والأخبار في حقية
العين متواترة المعنى، ومن شاهد تأثير المغناطيس في جذب الحديد لم يستبعد تأثير العين. وقرأ
نافع (يَزْلِقُونَكَ) بفتح الياء. وهي لغة، والضم أشهر. (لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) القرآن الذي هو
شرف لهمء (وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) ولذلك خالف كلامه أساليب كلام العرب.
(وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ(52)
عظة لكل ذي عقل من الملائكة والثقلين أو
شرف لمن حفظه وعمل بما فيه كائناً من كان، وهذا أبلغ من قوله:(وَإنَّهُ لَذكْر لَكَ
وَلِقَوْمِكَ)،
تمت سورة نون، والحمد لمن أجره غير ممنون، والصلاة والسلام على خيرة الخلق إلى
يوم يبعثون. انتهى انتهى {غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني} ...