قال: {إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ / نَدْعُوهُ} هذا كله قول المؤمنين ، أي: كنا في الدنيا نعبده ، ونخلص العمل له {إِنَّهُ هُوَ البر} أي: اللطيف بعباده ، الرحيم بخلقه أن يعذبهم بعد توبتهم.
أي: فذكر يا محمد من أرسلناك إليهم من قومك وعظهم فلست بفضل ربك عليك بكاهن كما يقول المشركون ولا بمجنون ، ولكن رسول الله.
أي: بل يقول المشركون في محمد صلى الله عليه وسلم هو شاعر نتربص به حوادث الدهر تكفيناه بموت أو بحادثة متلفة.
قال ابن عباس: إن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به الموت حتى يهلك كما هلك قبله من الشعراء ، إنما
هو كأحدهم ، فأنزل الله عز وجل: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون} والمنون: الموت ، وهو واحد لا جمع له ، قاله الأصمعي.
وقال الأخفش: المنون: جمع لا واحد له.
وقال الفراء: هو الواحد والجمع . والدهر يسمى بالمنون لأنه يذهب بمنة الحيوان ، أي: بقوتها.
وقال أبو عبيدة: قيل للدهر"منون"لأنه مضعف من قوله"حبل منين"إذا كان بالياً ضعيفاً.
أي: قل لهم يا محمد انتظروا وتمهلوا في ريب المنون ، فإني متربص معكم حتى يأتي أمر الله تعالى فيكم وفيّ.
قال: {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بهاذآ} أي: أن تأمرهم عقولهم وألبابهم بأن يقولوا لمن جاءهم بالحق شاعر ومجنون ، بل هم قوم طاغون.
وقيل: المعنى: أم تأمرهم عقولهم بأن يعبدوا الأصنام ويتركوا عبادة خالقهم
ورازقهم بل هم قوم قد طغوا وبغوا فتجاوزوا أمر ربهم و"أَمْ"في هذا كله بمعنى"بل".
ثم قال: {فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ} أي: فليأت قائلو ذلك من المشركين بقرآن مثله فيكونوا صادقين في قولهم أن محمداً تقَوَّلَهُ.