هذا منهم إما لعظيم ما أملوه من كيد، وإما لكبر في صدورهم
ما هم ببالغيه - نعوذ بالله العظيم من سوء ما قسم لهم - وإنما ذلك لعمى أبصارهم
وبصائرهم، وموتهم عن الحق، وهو معنى قوله الحق - عز جلاله: فهم المكيدون،
فهم لعقوبة إعراضهم ضرب بالأقفال على قلوبهم، فهم لا يبصرون حقيقة ولا
يفقهون حديثًا، فإذا شاهدوا عظائم المشاهدات ألحدوا بها إلى المعهود المتعارف
فهو منتظم بقوله في المقابلة: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ(42) .
يقول: بلغ من كيدنا لهم لأجل كيدهم أنهم لا يبصرون ولا يسمعون ولا
يعقلون، حتى لو أنهم رأوا السماء تسقط عليهم كسفا لقالوا: (سَحَابٌ مَرْكُومٌ) فهو
إلحادهم بالآيات إلى المعهود، فهم لأجل ذلك لو جاءتهم كل آية لا يؤمنوا حتى
يروا العذاب الأليم.
أتبع ذلك قوله تعالى: (فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ(45)
يوم يأتي كل نفس حمامها، ويوم ينفخ في الصور فيصعقون.
قوله - عز وجل -: (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ ...(47) . أما ما هو دون الموت فالقتل
والسبي والخزي والجلاء، وأما ما هو دون عذاب الآخرة فعذاب في البرزخ، وهو
المعروف بعذاب القبر؛ لذلك قال وهو أعلم: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)
لخفاء ذلك على أكثر أهل الإيمان فكيف بأهل الإعراض والتكذيب؟.
نظم بذلك قوله - عز من قائل: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ...(48) .
معطوف على قوله: (فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ) بأعيننا
أي: بمرأى منا وبحفظ منا.
قوله: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ) أي: عند الصبح (وَمِنَ
اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ... (49) . صلاة العشاءين وصلاة الليل (وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) ركعتي
الفجر ثم الفريضة، وقد تقدم ذكر معنى قوله: (فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ)
وقد قال في سواه: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) .
وهذا حفظ الخلقة وولايتها التي لا تسمى بولاية، فكيف به - صلوات الله