والمعنى: لقوم ينظرون بعيون عقولهم، ويعتبرون لأنها دلائل واضحة على وجود صانعها وعظيم قدرته وبالغ حكمته، وخص العقلاء بالذكر؛ لأنه بالعقل يمكن الوقوف على الدلائل. يقول الفقير: لعل سر تخصيص العقل بهذا المقام، وتأخيره عن الإيمان والإيقان، أن هذه الآية دائرة بين علوي وسفلي وما بينهما, وللعقل مدخل تعقل كل ذلك، واشتراك بين الإيمان والإيقان، فافهم جدًا.
6 - {تِلْكَ} الآيات القرآنية من أول السورة إلى هنا، وهو مبتدأ، وخبره قوله: {آيَاتُ اللَّهِ} سبحانه وتعالى، المنبهة على الآيات التكوينية {نَتْلُوهَا} ونقرؤها {عَلَيْكَ} يا محمد بواسطة جبريل، حال كوننا {بِالْحَقِّ} ؛ أي: محقين، أو حال كون الآيات متلبسةً بالحق والصدق، بعيدةً من الباطل والكذب، وقرئ {يتلوها} بياء الغيبة عائدًا على الله، وقال في"بحر العلوم": نتلوها عليك، حال عاملها معنى الإشارة، كأنه قيل: نشير إليها متلوة عليك، تلاوة متلبسة بالحق مقترنة به، بعيدةً من الباطل واللعب والهزل، كما قال: {وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) } ، انتهى. ويجوز أن تكون إشارةً إلى الدلائل المذكورة؛ أي: تلك دلائله الواضحة على وجوده ووحدته وقدرته وعلمه وحكمته نتلوها عليك؛ أي: بتلاوة النظم الدال عليها {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ} من الأحاديث، وخبر من الأخبار {بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ} ؛ أي: وبعد آيات الله، وتقديم الاسم الجليل لتعظيمه، كما في قولهم: أعجبني زيد وكرمه، يريدون أعجبني كرم زيد، ونظيره قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} فإن اسم الله هنا أيضًا، مذكور بطريق التعظيم كما سبق هناك، أو معنى: بعد الله؛ أي: بعد حديث الله الذي هو القرآن، حسبما نطق به قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} وهو المراد بآياته أيضًا، ومناط العطف التغاير العنواني {يُؤْمِنُونَ} يعني: أن القرآن من بين الكتب السماوية معجزة باهرة، فحيث لم يؤمنوا به، فبأي كتاب بعده يؤمنون؛ أي: لا يؤمنون بكتاب سواه، وقيل: المعنى القرآن آخر كتب الله، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - آخر رسله، فإن لم يؤمنوا به، فبأي كتاب يؤمنون، ولا كتاب بعده ولا نبي.