إن قلت: لم ختم الآية الأولى بقوله {لِلْمُؤْمِنِينَ} ، والثانية بقوله: {يُوقِنُونَ} ، والثالثة بقوله {يَعْقِلُونَ} .
قلتُ: لأنه تعالى، لما ذكر العال ضمنًا، ولا بد له من صانع، موصوف بصفات الكمال، ومن الإيمان بالصانع، ناسب ختم الأولى {لِلْمُؤْمِنِينَ} ، ولما كان الإنسان أقرب إلى الفهم من غيره، وكان فكره في خلقه وخلق الدواب، مما يزيده يقينًا في إيمانه، ناسب ختم الثانية بقوله: {يُوقِنُونَ} ، ولما كان جزئيات العالم من اختلاف الليل والنهار، وما ذكره معهما مما لا يدرك إلا بالعقل، ناسب ختم الثالثة بقوله: {يَعْقِلُونَ} ، انتهى.
وقرأ الجمهور: {آيَاتٌ} جمعًا بالرفع فيهما، وقرأ الأعمش والجحدري وحمزة والكسائي ويعقوب: بالنصب فيهما، وزيد بن علي: برفعهما على التوحيد، وقرأ أبي وعبد الله: {لآيات} فيهما كالأولى، وتنكير آيات في المواضع الثلاثة للتفخيم كما وكيفا، والعقل يقال: للقوة المتهيئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة عقل، ولهذا قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
فَإِنَّ الْعَقْلَ عَقْلَانِ ... فَمَطْبُوْعٌ وَمَسْمُوْعُ
وَلَا يَنْفَعُ مَطْبُوْعٌ ... إِذَا لَمْ يَكُ مَسْمُوْعُ
كَمَا لَا تَنْفَعُ الشّمْسُ ... وَضَوْءُ الْعَيْنِ مَمْنُوْعُ
وإلى الأول أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"ما خلق الله خلقًا، أكرم عليه من العقل". وإلى الثاني أشار بقوله:"ما كسب أحد شيئًا، أفضل من عقل يهديه إلى هدى، أو يرده عن ردى"، وهذا العقل هو المعني بقوله تعالى: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} ، وكل موضع ذم الكفار بعدم العقل، فإشارة إلى الثاني دون الأول، وكل موضع رفع التكليف عن العبد لعدم العقل، فإشارة إلى الأول، كما في"المفردات".