وتأخيره عن إنزال المطر مع تقدمه عليه في الوجود، إما للإيذان بأنه آية مستقلة، حيث لو روعي الترتيب الوجودي، لربما توهم أن مجموع تصريف الرياح، وإنزال المطر آية واحدة، وإما لأن كون التصريف آيةً ليس لمجرد كونه مبدا لإنشاء المطر، بل له ولسائر المنافع التي من جملتها سوق السفن في البحار {آيَاتٌ} ودلالات على القدرة القاهرة، والحكمة الباهرة {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ؛ أي: يستعملون عقولهم في مصنوعات الله تعالى، ويتأملون فيها، فيثبتون وجود صانعا وعظيم قدرته، وباهر حكمته.
والمعنى: أي وإن في تعاقب الليل والنهار عليكم، هذا بظلمته وسواده، وذلك بنوره وضيائه، وفيما أنزل الله من السماء من مطر تحيا به الأرض بعد موتها، فتهتز بالنبات والزرع من بعد جدوبها وقحوطها، فتخرج أرزاق العباد وأقواتهم، وفي تصريف الرياح لمنافعكم شماليةً مرة، وجنوبية أخرى، صبًا مرة، ودبورًا أخرى، لأدلة وحججا لله على خلقه، الذي يعقلون عنه حججه، ويفهمون ما وعظهم به من الآيات والعبر.
وقصارى ما سلف كله: أنكم إذا تأملتم الحكم المنبثة في السماوات والأرض .. آمنتم بوحدة خالقها وقدرته، فإذا ازددتم علمًا .. ازداد تثبتكم وفهمكم، فصرتم موقنين بها؛ لأن الإيقأن يكون بتوافر الأدلة وتكاثرها، ومتى أيقنتم بجمال هذا الكون وحسن نظامه .. أصبحتم من ذوي العقول الناضجة، والأفكار النافذة في أسرار هذا الكون، وبديع صنعه، فتستطيعون أن تنتفعوا بما فيه، وتسخروه لمنافعكم في هذه الحياة المليئة بالمطالب.
وإجمال ذلك: أن أول المراتب الإيمان بالله، فإذا ازداد المرء علمًا وحكمة وبحثًا في دقائق الأشياء وعظائمها أصبح موقنًا به وكلما ازداد بحثًا، ازداد عقله دراية، وفهما لأسرار هذا الكون، فسخره لمنافعه، واستفاد من نظمه التي وجد عليها، وعرف أنه لم يخلق عبثًا، بل خلق للانتفاع بما في ظاهره وباطنه، علويه وسفليه، أرضه وسماله، نوره وظلامه، فكأنه يقول: إنا أمرناكم بالنظر في العالم لتؤمنوا، فإذا ازددتم نظرًا أيقنتم بي، وذلك كله مما يربي عقولكم، ويكملها إلى أقصى حدود طاقتها البشرية.
وفي"فتح الرحمن":