(قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ(14)
«فَإِنْ قِيلَ» : مَا الْفَائِدَةُ فِي التَّنْكِيرِ فِي قَوْلِهِ (لِيَجْزِيَ قَوْمًا) مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا؟
قُلْنَا التَّنْكِيرُ يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ شَأْنِهِمْ كَأَنَّهُ قِيلَ: لِيُجْزِيَ قَوْمًا وَأَيَّ قَوْمٍ مِنْ شَأْنِهِمُ الصَّفْحُ عَنِ السَّيِّئَاتِ وَالتَّجَاوُزُ عَنِ الْمُؤْذِيَاتِ وَتَحَمُّلُ الْوَحْشَةِ وَتَجَرُّعُ الْمَكْرُوهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَى الْآيَةِ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْكُفَّارِ، لِيَجْزِيَ اللَّهُ الْكُفَّارَ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ مِنَ الْإِثْمِ، كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ لَا تُكَافِئُوهُمْ أَنْتُمْ حَتَّى نُكَافِئَهُمْ نَحْنُ.
(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)
اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ (مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ)
قَالَ مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي أَحَسِبُوا أَنَّ حَيَاتَهُمْ وَمَمَاتَهُمْ كَحَيَاةِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَوْتِهِمْ، كَلَّا فَإِنَّهُمْ يَعِيشُونَ كَافِرِينَ وَيَمُوتُونَ كَافِرِينَ وَالْمُؤْمِنُونَ يَعِيشُونَ مُؤْمِنِينَ وَيَمُوتُونَ مُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ مَا دَامَ يَكُونُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَكُونُ وَلِيُّهُ هُوَ اللَّهُ وَأَنْصَارُهُ الْمُؤْمِنُونَ وَحُجَّةُ اللَّهِ مَعَهُ، وَالْكَافِرُ بِالضِّدِّ مِنْهُ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) وَعِنْدَ الْقُرْبِ إِلَى الْمَوْتِ، فَإِنَّ حَالَ الْمُؤْمِنِ مَا ذَكَرَهُ فِي قوله تَعَالَى: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) [النمل: 32]
وَحَالُ الْكَافِرِ مَا ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ) [النَّحْلِ: 28]