العجائب في خلق الحيوان وما له من الأعضاء والحواس التي بها يدرك المحسوسات، ثم في باطنه من جواذب المواد التي بها قوام الحياة، ثم الروح التي بها ثبات الأجساد، أكثر من أن تحصى وتعدّ، فإن عرضت شبهة لملحد بأن كون الولد بإحبال الوالد أمه، ومن نطفته يأخذ شبهه، فإنه يطرح ذاك ويرتاح بالآيات التي ليس إلى الوالد فعلها، ولا جارحة من جوارحه يحيط علمه بنشأتها، والحكمة في تركيبها، فكيف أن يكون فاعلها تبارك وتعالى من صنعها وزينها بالعقل الذي هو أكبر نعمة، فهذا هو للمتفكر في ذلك ينتقل من ظن إلى علم وتيقن بعد شك، واليقين علم يحصل بعد تشكك، ولذلك لا يوصف الله تعالى بأنه موقن، ويوصف بأنه عالم، فلهذا قال: {آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} . وأما الآية الأخيرة وهي: {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فقد تقدم من قولنا في الفرق بين: {يَعْقِلُونَ}
و (يعلمون) ما يبين الجواب عن الفائدة في اختصاص هذه الآية بقوله: {يَعْقِلُونَ} كما قال تعالى في سورة البقرة: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فخص هذا المكان أيضا بقوله: