77 -ثم ذكر ما يقوله أهل النار، وما يجيبهم به خزنتها، فقال: {وَنَادَوْا} ؛ أي: ونادى المجرمون من شدة العذاب، فقالوا: {يَا مَالِكُ} هو خازن النار، قرأ الجمهور: {يَا مَالِكُ} بدون ترخيم، وقرأ عبد الله وعلي وابن وثاب والأعمش: {يا مالِ} بالترخيم، على لغة منم ينتظر الحرف المحذوف، وقرأ أبو السرار الغنوي: {يا مالُ} بالبناء على الضم، جعله اسمًا على حياله على لغة من لا ينتظر، واللام في {لِيَقْضِ} لام الطلب والرغبة؛ أي: ليقض {عَلَيْنَا رَبُّكَ} بالموت حتى لا يتكرر عذابنا؛ أي: ليمتنا حتى نستريح من ألم العذاب، من قضى عليه إذا أماته، كقوله تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} ؛ أي: أماته، توسلوا بمالك إلى الله سبحانه وتعالى، ليسأله لهم أن يقضي عليهم بالموت، فيستريحوا من العذاب.
والمعنى: سل ربك يا مالك، أن يقضي علينا، وهذا لا ينافي ما ذكر من إبلاسهم أولًا كما مر؛ لأنه جؤار؛ أي: صياح وتمن للموت، لفرط الشدة {قَالَ} مالك مجيبًا لهم بعد أربعين سنة، يعني: ينادون مالكًا أربعين سنة، فيجيبهم بعدها، كما قاله عبد الله بن عمرو، أو بعد مائة سنة، كما قاله نوف، أو بعد ألف سنة، كما قاله ابن عباس، وميل: بعد ثمانين سنة؛ لأن تراخي الجواب أحزن لهم {إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} المكث ثبات مع انتظار؛ أي: إنكم مقيمون في العذاب أبدًا، لا خلاص لكم منه بموت ولا بغيره، فليس بعدها إلا جؤار كصياح الحمير، أوله زفير وآخره شهيق.
والمعنى: أي ونادى المجرمون من شدة العذاب، فقالوا: يا مالك، ادع لنا ربك أن يقبض أرواحنا ليريحنا مما نحن فيه، فأجابهم بقوله: {إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} لا خروج لكم منها, ولا محيص لكم عنها. ونحو الآية قوله تعالى: {لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا} ، وقوله: {وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (13) } .