وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ: «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ» .
فعلى مذهب كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ أَنَّ هَمَّ النَّفْسِ لا يؤاخذ به وليست سَيِّئَةً.
لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبِّهِ: «إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ» .. فَلَا مَعْصِيَةَ فِي هَمِّهِ إذن.
وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ: فَإِنَّ الْهَمَّ إِذَا وُطِّنَتْ عَلَيْهِ النَّفْسُ سَيِّئَةٌ ..
وأما ما لم تُوَطَّنْ عَلَيْهِ النَّفْسُ مِنْ هُمُومِهَا وَخَوَاطِرهَا فَهُوَ المعفو عنه .. وهذا هُوَ الْحَقُّ.
فَيَكُونُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ هَمُّ يوسف من هذا.
ويكون قوله: «وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي» .. الْآيَةَ .. أَيْ مَا أُبَرِّئُهَا مِنْ هَذَا الْهَمِّ.
أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى طَرِيقِ التَّوَاضُعِ والاعتراف بمخالفة النفس لما زكّي قبل وبرئ ..
فَكَيْفَ وَقَدْ حَكَى أَبُو حَاتِمٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّ يُوسُفَ لَمْ يَهُمَّ وَأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ.
أَيْ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ .. وَلَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِهَا.
ولقد قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمَرْأَةِ «وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ» .
وقد قال تعالى: «كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ»
وَقَالَ تَعَالَى: «وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ» الْآيَةَ.
قِيلَ: فِي «رَبِّي» اللَّهُ وَقِيلَ: الْمَلِكُ.
وَقِيلَ: «هَمَّ بِهَا» أَيْ بِزَجْرِهَا وَوَعْظِهَا وَقِيلَ: «همّ بها»
أَيْ غَمَّهَا امْتِنَاعُهُ عَنْهَا وَقِيلَ: «هَمَّ بِهَا» نَظَرَ إِلَيْهَا وَقِيلَ: هَمَّ بِضَرْبِهَا وَدَفْعِهَا وَقِيلَ: «هَذَا كُلُّهُ كَانَ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ» .
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ: «مَا زَالَ النِّسَاءُ يَمِلْنَ إِلَى يُوسُفَ مَيْلَ شَهْوَةٍ حَتَّى نَبَّأَهُ اللَّهُ فَأَلْقَى عَلَيْهِ هَيْبَةَ النُّبُوَّةِ فَشَغَلَتْ هَيْبَتُهُ كُلَّ مَنْ رَآهُ عَنْ حُسْنِهِ» .