(مَا) نافية، أي ما أضلنا إلا المجرمون الذين اتبعناهم، وفي الواقع، إن الجو كله كان جوا إجراميا، فهم يترامون بالإجرام، وكان الإجرام فيهم جميعا؛ لأنهم اشتركوا جميعا في تكوين رأي عام فاسد، يروج فيه الباطل، ويختفي فيه الحق الصادع، فكانوا في ضلال يترامون به، ولا يخلص منه واحد منهم.
(فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ(100)
الفاء فاء الإفصاح؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، وتقدير القول، إذا كان الذين صاحبونا وشجعونا مجرمين، فما لنا من شفيع يشفع لنا، ويضم صوته إلى صوتنا، ولا صديق حميم يتألم معنا، ويرفع عنا مقت ربنا، أو يشاركنا، فينقص منا ما يصيبنا من مقت وسوء عاقبة، ويتمنون نادمين، ولات حتى مندم، وعدد الشافعين، لأنهم في الشدة يكونون كثيرين، وذكر الصدق مفردا لأن الصديق الحميم يكون قليلا، وليس كثيرا.
(فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(102)
الفاء أيضا للإفصاح لأنها سدت عليهم كل منافذ النجاة، فتمنوا رجعة إلى الدنيا كرة أخرى يؤمنون فيها، ويدركون الحق ويذعنون له، (لو) هنا للتمني، وهو تمني أن يعودوا إلى الدنيا كرة أخرى، والفاء فاء السببية، وأن مضمرة بعدها، أي فنكون بسبب ذلك من المؤمنين المذعنين للحق الذين لَا يمارون فيه.
كان الكلام في يوم الآخرة عندما قال عليه السلام يوم لَا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى اللَّه بقلب سليم، ولقد أشار سبحانه من بعد ذلك إلى تتمة القصة، فقال سبحانه:
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ(103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104)