لأنك جئتني أنت وأخوك بما يخالف ديننا، وطلبتما منا أن نرسل معكما بني إسرائيل. فهل هذا جزاء إحسانى إليك؟.
وهكذا نرى فرعون يوجه إلى موسى - عليه السلام - تلك الأسئلة على سبيل الإنكار عليه لما جاء به، متوهما أنه قد قطع عليه طريق الإجابة.
ولكن موسى - عليه السلام - وقد استجاب الله - تعالى - دعاءه، وأزال عقدة لسانه، رد عليه ردا حكيما، فقال - كما حكى القرآن عنه: قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ.
أي قال موسى في جوابه على فرعون: أنا لا أنكر أنى قد فعلت هذه الفعلة التي تذكرني بها، ولكني فعلتها وأنا في ذلك الوقت من الضالين، أي: فعلت ذلك قبل أن يشرفنى الله بوحيه، ويكلفني بحمل رسالته، وفضلا عن ذلك فأنا كنت أجهل أن هذه الوكزة تؤدى إلى قتل ذلك الرجل من شيعتك، لأنى ما قصدت قتله، وإنما قصدت تأديبه ومنعه من الظلم لغيره.
فالمراد بالضلال هنا: الجهل بالشيء، والذهاب عن معرفة حقيقيته.
وقوله: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ بيان لما ترتب على فعلته التي فعلها.
أي: وبعد هذه الفعلة التي فعلتها وأنا من الضالين، توقعت الشر منكم، ففررت من وجوهكم حين خشيت منكم على نفسي فكانت النتيجة أن وهبنى رَبِّي حُكْماً أي: علما نافعا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ الذين اصطفاهم الله - تعالى - لحمل رسالته والتشرف بنبوته.
ثم أضاف موسى - عليه السلام - إلى هذا الرد الملزم لفرعون. ردا آخر أشد إلزاما وتوبيخا فقال: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ.
واسم الإشارة تِلْكَ يعود إلى التربية المفهومة من قوله - تعالى - قبل ذلك: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً ... إلخ.
وقوله تَمُنُّها من المن بمعنى الإنعام يقال: منّ فلان على فلان منة إذا أنعم عليه بنعمة.
وعبدت: أي: اتخذتهم عبيدا لك تسخرهم لخدمتك.
قال الجمل: وتِلْكَ مبتدأ، ونِعْمَةٌ خبر. وتَمُنُّها صفة للخير وأَنْ عَبَّدْتَ عطف بيان للمبتدأ موضح له.