والمعنى: أنّ في ذلك الإنبات على هذه الأوضاع البديعة لدلالات لأولي الألباب على قدرة خالقه على البعث والنشور، فإن من أنبت الأرض بعد جدبها، وجعل فيها الحدائق الغنّاء والأشجار الفيحاء لن يعجزه أن ينشر فيها الخلائق من قبورهم، ويعيدهم سيرتهم الأولى، ولكن أكثر الناس غفلوا عن هذا، فجحدوا بها وكذبوا بالله ورسله وكتبه، وخالفوا أوامره، واجترحوا معاصيه، ولله درّ القائل:
تَأَمَّلْ فِيْ رِيَاضِ الْوَرْدِ وَانْظُرْ ... إِلَى آثَارِ مَا صَنَعَ الْمَلِيْكُ
عُيُوْنٌ مِنْ لُجَيْنٍ شَاخِصَاتٌ ... عَلَى أَهْدَابِهَا ذَهَبٌ سَبِيْكُ
عَلَى قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شَاهِدَاتٌ ... بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيْكُ
والخلاصة: أن في هذا وأمثاله لآية عظيمة، وعبرة جليلة دالة على ما يجب الإيمان به، ولكن ما آمن أكثرهم مع موجبات الإيمان, بل تمادوا في الكفر والضلالة، وانهمكوا في الغي والضلالة، وفي هذا ما لا يخفى من تقبيح حالهم، وبيان سوء مآلهم.
9 -ثم بشّره بنصره وتأييده وغلبته لأعدائه، وإظهاره عليهم، فقال: {وَإِنَّ رَبَّكَ} يا محمد {لَهُوَ الْعَزِيزُ} الغالب القادر على الانتقام من الكفرة {الرَّحِيمُ} المبالغ في الرحمة، ولذلك يمهلهم، ولا يأخذهم بغتة. وقال في"كشف الأسرار": يرحم المؤمنين الذين هم الأقل بعد الأكثر. وفي"التأويلات النجمية": بعزته قهر الأعداء العتاة، وبرحمته ولطفه أدرك أولياءه بجذبات العناية. اهـ.
والمعنى: أي وإن ربك أيها الرسول الكريم لهو الغالب على أمره، والقادر على كل ما يريد وسينتقم لك من هؤلاء المكذبين على تكذيبهم بك، وإشراكهم بي، وعبادتهم للأوثان والأصنام، وهو ذو الرحمة الواسعة بمن تاب من كفره ومعصيته، فلا يعاقبه على ما سلف من جرمه بعد توبته، بل يغفر له حوبته.
والخلاصة: أن ربك عزَّ كل شيء وقهره، ورحم خلقه، فلا يعجل بعقاب من عصاه، بل يؤجله وينظره لعله يرعوي عن غيه، فإن تمادى أخذه أخذ عزيز مقتدر.