5 -ثم بين شدة شكيمتهم وعدم ارعوائهم عما هم عليه من الكفر والضلال بغير الآيات الملجئة تأكيدًا لصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الحرص على إسلامهم، فقال: {وَمَا يَأْتِيهِمْ} ؛ أي: أهل مكة وما يجيئهم {مِنْ ذِكْرٍ} : {من} : زائدة لتأكيد العموم، وفي قوله: {مِنَ الرَّحْمَنِ} ابتدائية؛ أي: بوحيه إلى نبيه، دل هذا الاسم الجليل على أن إتيان الذكر من آثار رحمة الله تعالى على عباده؛ أي: وما يأتي أهل مكة تذكير وموعظة من المواعظ القرآنية مبتدأ مجيئه من الرحمَن {مُحْدَثٍ} ؛ أي: مجدّد إنزاله لتكرير التذكير وتنويع التقرير، فلا يلزم حدوث القرآن؛ أي: فهو محدث التنزيل، وكلما نزل شيء من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول، {إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} ؛ أي: إلّا جدّدوا إعراضًا عن ذلك الذكر، وعن الإيمان به، وإصرارًا على ما كانوا عليه؛ أي: وما يجدد الله سبحانه لهم بوحيه موعظة وتذكيرًا إلَّا جدّدوا إعراضًا عنه، وكفرًا به. والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، محله النصب على الحالية من مفعول {يَأْتِيهِمْ} بإضمار قد، وبدونه على الخلاف المشهور في محله؛ أي: ما يأتيهم من ذكر في حال من الأحوال إلّا حال كونهم معرضين عنه.
وقد سبق نظير هذه الآية في سورة الأنبياء.
فَإِنْ قُلْتَ: لم قال هناك {مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} ، وقال هنا {مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ} ؟
قلت: غاير بينهما ليوافق كل ما في سياقه؛ لأنه ذكر هناك: {مِنْ رَبِّهِمْ} لموافقة قوله بعد ذلك: {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ} ، وقال هنا: {مِنَ الرَّحْمَنِ} ليوافق قوله فيما بعد: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68) } ؛ لأن الرحمن والرحيم من مادة واحدة، فهما أخوان، اهـ من"فتح الرحمن"بتصرف.