وقوله: {أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} مفعول له بحذف المضاف؛ أي: خيفة أن لا يؤمن قريش بذلك الكتاب المبين، فإن الخوف والحزن لا ينفع في إيمان من سبق حكم الله بعدم إيمانه، كما أن الكتاب المبين لم ينفع في إيمانه، فلا تهتمّ فقد بلّغت. والمعنى: لعلك قاتل نفسك لتركهم الإيمان؛ لأنه كان حريصًا على إيمان قومه، شديد الأسف لما يراه من إعراضهم.
وفي"التأويلات النجمية": يشير إلى تأديب النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لئلا يكون مفرطًا في الرحمة والشفقة على الأمة، فإنه يؤدي إلى الركون إليهم، وأن التفريط في ذلك يؤدي إلى الفظاظة وغلظ القلب، بل يكون مع الله مع المقبل والمدبر.
وقرأ قتادة وزيد بن علي: {باخع نفسك} على الإضافة، وقرأ الباقون بالقطع. ونحو الآية قوله: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} ، وقوله: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) } .
4 -ثم بيّن: أن إيمانهم ليس مما تعلقت به مشيئة الله تعالى، فقال: {إِنْ نَشَأْ} إيمانهم، أي: لو شئنا إيمانهم، وتعلقت به إرادتنا أزلًا {نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ} ؛ أي: على مشركي قومك {مِنَ السَّمَاءِ آيَةً} دالة على كمال قدرتنا، ملجئة لهم إلى الإيمان كإنزال الملائكة، أو بليّة قاسرة عليه كآية من آيات القيامة، ولكن سبق القضاء بأنّا لا ننزل ذلك {فَظَلَّتْ} ؛ أي: فصارت؛ أي: فتظل {أَعْنَاقُهُمْ} ؛ أي: رقابهم {لَهَا} ؛ أي: لتلك الآية {خَاضِعِينَ} ؛ أي: منقادين، فلا يكون أحد منهم يميل عنقه إلى معصية الله تعالى، ولكن لم نفعل؛ لأنه لا عبرة بالإيمان المبني على القسر والإلجاء كالإيمان يوم القيامة. وأصله: فظلوا لها خاضعين، فإن الخضوع صفة أصحاب الأعناق حقيقة، فأقحمت الأعناق لزيادة التقرير ببيان موضع الخضوع، وترك الخبر على حاله. وفيه بيان أن الإيمان والمعرفة موهبة خاصة خارجة عن اكتساب الخلق في الحقيقة، فإذا حصلت الموهبة نفع الإنذار والتبشير، وإلّا فلا، فليبك على نفسه من جبل على الشقاوة.