وفي هذا الموقف درس لكل أب ولكل وليّ أمر ورب أسرة أن يسأل أهل بيته عن كل شيء يراه في بيته ولم يأْتِ هو به ، حتى لا يدعَ لأولاده فرصة أنْ تمتد أيديهم إلى ما ليس لهم .
لقد انتفع زكريا - عليه السلام - بهذا القول وانتبه إلى هذه الحقيقة ، نعم زكريا يعلم أن الله يرزق مَنْ يشاء بغير حساب ، لكن ذلك العلم كان معلومة في حاشية الشعور ، فلما سمعها من مريم خرجتْ إلى بُؤرة شعوره ، وعند ذلك دعا الله أن يرزقه الولد وقد بلغ من الكِبَر عِتياً ، وامرأته عاقر .
وكذلك انتفعت بها مريم حين أحسَّتْ بالحمل دون أن يمسسْها بشر فاطمأنتْ ؛ لأن الله يرزق مَنْ يشاء بغير حساب .
وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ . .} [المؤمنون: 50] فأخبر سبحانه عن المثنى بالمفرد {آيَةً . .} [المؤمنون: 50] لأنهما مشتركان فيها: مريم آية لأنها أنجبت من غير زوج ، وعيسى آية لأنه وُلِد من غير أب ، فالآية إذن لا تكون في أحدهما دون الآخر ، وهما فيها سواء .
لذلك يراعي النص القرآني هذه المساواة فيُقَدِّم عيسى في آية: {وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً . .} [المؤمنون: 50] ويقدم مريم في آية أخرى: {وَجَعَلْنَاهَا وابنهآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 91] هذه العدالة في النص لأنهما سواء في الخيرية لا يتميز أحدهما على الآخر .
والآية هي الأمر العجيب الذي يُثبت لنا طلاقة قدرة الخالق في الخَلْق ، وحتى لا يظن البعض أن مسألة الخَلْق مسألة (ميكانيكية) من أب وأم ، لذلك كان وجه العجب في خَلْق عيسى أن يخرج عن هذه القاعدة ليجعله الله دليلاً على قدرته تعالى ، فإنْ أراد أنْ يخلق خلق من العدم ، أو من أب فقط ، أو من أم فقط ، وحتى في اكتمال العنصرين يوجد الأب والأم ، لكن لا يوجد الإنجاب ، إذن: المسألة إرادة لله عز وجل ، وطلاقة لقدرة إلهية لا حدودَ لها .