لذلك ، كانت آفة الأمم أنْ يجعلوا أنفسهم فِرَقاً مختلفة وأحزاباً متباينة ، وهؤلاء الذين قال الله فيهم: {إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ . .} [الأنعام: 159] .
وتأمل: {فَرَّقُواْ دِينَهُمْ . .} [الأنعام: 159] ولم يقُلْ: فرّقوا شريعتهم ولا منهجهم ، ذلك لأن الدين واحد عند الله ، أمّا المناهج والشرائع فهي مجال الاختلاف على حَسْب ما في الأمة من داءات ، فهؤلاء كانوا يعبدون الأوثان ، وهؤلاء كانوا يُطفِّفون الكيل والميزان ، وهؤلاء كانوا يجحدون نِعَم الله . . الخ .
وسبق أنْ أوضحنا أن اختلاف الداءات في هذه الأمم ناتج عن العزلة التي كانت تبعدهم ، فلا يدري هذا بهذا ، وهم في زمن واحد . أمّا في رسالة الإسلام - هذه الرسالة العامة الخاتمة - فقد جاءت على موعد من التقاء الأمم وتواصل الحضارات ، فما يحدث في أقصى الشمال يعرفه مَنْ في أقصى الجنوب ؛ لذلك توحدت الداءات ، فجاء رسول واحد خاتم بتشريع صالح لجميع الزمان ولجميع المكان ، وإلى قيام الساعة .
وآفة المسلمين في التعصُّب الأعمى الذي يُنزِل الأمور الاجتهادية التي ترك الله لعباده فيه حريةً واختياراً منزلةَ الأصول والعقائد التي لا اجتهادَ فيها ، فيتسرَّعون في الحكم على الناس واتهامهم بالكفر لمجرد الاختلاف في وجهات النظر الاجتهادية .
نقول: من رحمة الله بنا أنْ جعل الأصول واحدة لا خلافَ عليها ، أما الفروع والأمور الاجتهادية التي تتأتّى بالفهم من المجتهد فقد تركها الله لأصحاب الفهم ، {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ . .} [النساء: 83] .