وقد حكى الله في آيات أخرى عن قوم هود وعن قوم صالح أنهم أجابوا دعوة رسولهم بالرد والزجر كقول قوم هود {قالوا يا هود ما جئتنا بِبَيِّنَة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} [هود: 53 ، 54] ، وقول قوم صالح {قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوًّا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب} [هود: 62] .
وقولُه {وقال الملأ من قومه الذين كفروا} {الذين كفروا} نعت ثان ل {الملأ} فيكون على وزان قوله في قصة نوح {فقال الملأ الذين كفروا من قومه} [المؤمنون: 24] .
وإنما أخر النعت هنا ليتصل به الصفتان المعطوفتان من قوله: {وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم} .
واللقاء: حضور أحد عند آخر.
والمراد لقاء الله تعالى للحساب كقوله تعالى: {واعلموا أنكم ملاقوه} في سورة البقرة (223) وعند قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لَقِيتُم فِئَةً فاثبتوا} في سورة الأنفال (45) .
وإضافة {لقاء} إلى {الآخرة} على معنى (في) أي اللقاء في الآخرة.
والإتراف: جعلهم أصحاب ترف.
والترف: النعمة الواسعة.
وقد تقدم عند قوله:
{وارْجِعُوا إلى ما أترِفْتم فيه} في سورة الأنبياء (13) .
وفي هذين الوصفين إيماء إلى أنهما الباعث على تكذيبهم رسولَهم لأن تكذيبهم بلقاء الآخرة ينفي عنهم توقع المؤاخذة بعد الموت ، وثروتهم ونعمتهم تغريهم بالكبر والصلف إذ ألِفوا أن يكونوا سادة لا تبعاً ، قال تعالى: {وذَرْني والمكذّبين أولي النعمة} [المزمل: 11] ، ولذلك لم يتقبلوا ما دعاهم إليه رسولهم من اتقاء عذاب يوم البعث وطلبهم النجاة باتباعهم ما يأمرهم به فقال بعضهم لبعض {ولئن أطَعْتُم بشراً مثلكم إنكم إذاً لخاسرون أيَعِدُكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مُخْرَجون} .