وكان حارثة بن بدر الغداني [1] قد غلب على زياد وكان الشراب قد غلب عليه فقيل لزياد: إن هذا قد غلب عليك وهو مستهتر بالشراب فقال زياد: كيد باطّراح رجل هو يسايرني؟ قد دخلت عليه العراق، فلم يصكّ ركابي ركاباه، وما راكبني قط، فمست ركبتي ركبته، ولا تقدمني فنظرت إلى قفاه. ولا تأخّر عنّي فلويت عنقي إليه، ولا أخذ عليّ الشمس في شتاء قط، ولا الرّوح في صيف قط، ولا سألته عن علم إلا ظننته لم يحسن غيره.
فلما مات زياد جفاه عبيد الله، فقال له حارثة: أيها الأمير. ما هذا الجفاء، مع معرفتك بالحال عند أبي المغيرة؟ فقال له عبيد الله: إن أبا المغيرة كان قد برع بروعا لا يلحقه معه عيب وأنا حدث، وإنما أنسب إلى من تغلّب عليّ، وأنت رجل تديم الشراب، فمتى قرّبتك، فظهرت رائحة الشراب منك لم آمن أن يظن بي. فدع النبيذ، وكن أوّل داخل، وآخر خارج.
فقال له حارثة: أنا لا أدعه لمن يملك ضرّي ونفعي. أفأدعه للحال عندك؟
قال: فاختر من عملي ما شئت. قال: تولّيني رامهرمز فإنّها أرض عذية وسرّق، وإنّ بها شرابا وصف لي عنه، فولاه إياه. وفيه قيل [2] : [الطويل] أحار ابن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق
وقال زياد: كفى بالبخيل عارا أن اسمه لم يقع في حمد قطّ، وكفى بالجواد مجدا أن أسمه لم يقع في ذمّ قط.
وكان عبيد الله بن زياد قد لج في طلب الخوارج، وحبسهم، وقتلهم فكلّم
(1) هو حارثة بن بدر بن الحصين التميمي الغداني، من فرسان تميم ووجوهها وسادتها، قيل إنه أدرك النبي صلّى الله عليه وسلّم، له أخبار في الفتوح، وكان زياد مكرما له قابلا لرأيه، مات غرقا سنة 64هـ (الأعلام 2/ 158) .
(2) يروى صدر البيت بلفظ:
أحار ابن زيد قد وليت ولاية
والبيت لأنس بن زنيم في ديوانه ص 114، ولسان العرب (سرق) ، والمقاصد النحوية 4/ 296، وله أو لأنس بن أبي أنيس في الدرر 3/ 54، ولأبي الأسود الدؤلي في ديوانه ص 177، والعقد الفريد 3/ 60.