وكان سعيد بن العاص واليا على المدينة من قبل معاوية، وكان معاوية يعاقب بينه وبين مروان في ولايتها، وكان يغري بينهما فكتب إلى سعيد: أن
اهدم دار مروان، فلم يهدمها، وأعاد إليه الكتاب بهدمها، فلم يفعل، فعزله، وولى مروان، وكتب إليه: أن اهدم دار سعيد فأرسل الفعلة، وركب ليهدمها فقال له سعيد: يا أبا عبد الملك أتهدم داري؟ قال: نعم، كتب إليّ أمير المؤمنين، ولو كتب إليك في هدم داري لفعلت. فقال: ما كنت لأفعل. قال:
بلى، والله لو كتب إليك لهدمتها. قال: كلّا يا أبا عبد الملك وقال لغلامه:
انطلق فجئني بكتاب معاوية فجاء به، فقال مروان: كتب إليك يا أبا عثمان في هدم داري، فلم تهدمها ولم تعلمني؟ قال: ما كنت لأهدم دارك، ولا أمنّ عليك، وإنما أراد معاوية أن يحرّض بيننا فقال مروان: فداك أبي وأمي، أنت والله أكثر مني ريشا وعقبا، ورجع فلم يهدم دار سعيد.
وقدم سعيد على معاوية، فقال له: يا أبا عثمان كيف تركت أبا عبد الملك؟ قال: تركته ضابطا لعملك، منفّذا لأمرك. قال: إنه كصاحب الخبزة كفي نضجها فأكلها. قال: كلا والله يا أمير المؤمنين، إنّه لمع قوم يحمل بهم السّوط، ولا يحلّ لهم السيف، يتهادون كوقع النبل، سهما لك وسهما عليك. قال: ما باعد بينك وبينه؟ قال: خافني على شرفه، وخفته على شرفي.
قال: فما ذاله عندك؟ قال: أسرّه غائبا، وأسوءه شاهدا؟. قال: تركتنا يا أبا عثمان في هذه الهنات. قال: نعم يا أمير المؤمنين، فتحملت الثقل وكفيت الحزم، وكنت قريبا لو دعوت أجبت، ولو وهيت رفعت.
خطب عتبة بن أبي سفيان بمصر فقال: يا حاملي ألأم آناف ركّبت بين أعين، إني إنما قلّمت أظفاري عنكم ليلين مسّي إياكم، وسألتكم صلاح أمركم إذ كان فساده راجعا عليكم فإذا أبيتم إلّا الطعن على الولاة، والتعرّض للسلف فو الله لأقطّعنّ على ظهوركم بطون السياط، فإن حسمت داءكم وإلا فالسيف من ورائكم. فكم من موعظة منا لكم مجّتها قلوبكم، وزجرة صمّت عنها آذانكم، ولست أبخل عليكم بالعقوبة إذا جدتم لنا بالمعصية، ولا أويسكم من مراجعة الحق، إن صرتم إلى التي هي أبرّ وأتقى.
كتب زياد إلى سعيد بن العاص يخطب إليه أمّ عثمان ابنته، وبعث إليه بمال وهدايا كثيرة، فلما قرأ كتابه أمر حاجبه بقبض المال والهدايا وقسمها بين
جلسائه فقال الحاجب: إنها أكثر من ذلك، فقال: أنا أكثر منها. ففعل ثم كتب إلى زياد.