فهرس الكتاب

الصفحة 606 من 1777

حكيّ عن الفضل بن مروان أنه قال: والله لقد كان المعتصم مؤيدا من عند الله في أموره كلّها لقد رجع يوما من محاربة الروم، وقد سهر ليلته وبقي

إلى العشاء، ولم يطعم ولم يشرب فدخل إلى المأمون فعرّفه خبره، فبينما هو يخاطبه إذ صيح: السلاح السلاح، واستفحل أمر الروم فقال له المأمون:

ارجع يا أبا إسحق إلى موضعك. فقال: نعم يا أمير المؤمنين. أمضي إلى مضربي وأركب من ثمّ فكأنّ المأمون كره هذا منه، ونكّس رأسه، واشتدّ عليه تأخيره لأمره، ففطن المعتصم فقال: يا أمير المؤمنين إنّ الله عزّ وجلّ يقول:

{كَلََّا إِنَّ الْإِنْسََانَ لَيَطْغى ََ (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ََ} (7) [العلق: الآيتان 6، 7] والله لقد رأيتني ومالي من الدوابّ إلا أربع، ومن الغلمان إلا أربعة، وإني لأقف على باب الحسن بن سهل سائر يومي، أتمنّى أن يأمرني بأمر أنفذ فيه، ولي من كلّ هذا اليوم ألوف بتفضّل أمير المؤمنين، وهو يأمرني بأمر فيه شرفي فأشترط عليه. أنا أمضي من وجهي هذا على هيئتي هذه.

فضحك المأمون وقال: ادن إليّ فدنا إليه، فقبّل بين عينيه، ودعا له بالظفر، وخرج.

قال بعضهم: سمعت المعتصم يقول: إذا نصر الهوى بطل الرّأي.

وقال لأحمد بن أبي دواد لما كان من لتياث العباس بن المأمون ما كان:

يا أبا عبد الله أكره أن أحبسه فأهتكه، وأكره أن أدعه فأهمله. فقال: الحبس أصلح الله أمير المؤمنين فإنّ الاعتذار خير من الاغترار.

وقيل: ما رئي أشدّ تيقظا في حرب من المعتصم كانت الأخبار ترد عليه من أرض بابل إلى «سرّ من رأى» في ثلاثة أيام على عتاق مضمّرة، قد أقام على كل فرسخ فرسين. واحتاج الناس في حصار عمّورية إلى ماء فمدّ لهم حياضا من أدم عشرة أميال وغير ذلك، مما سنذكر ذلك بعون الله.

وقال الفضل بن مروان: كان المعتصم يختلف إلى عليّ بن عاصم المحدّث، وكنت أمضي معه إليه فقال يوما: حدّثنا عمرو بن عبيد وكان قدريّا [1] فقال له المعتصم: يا أبا الحسن أما تروي: «أنّ القدرية مجوس هذه

(1) القدرية: هم المعتزلة لقبوا بالقدرية لقولهم بالقدر خيره وشره من العبد ونفوا ذلك عن الله تعالى، واستدلوا ببعض الأحاديث الواردة في هذا المجال، وكانت لهم آراء كثيرة، وقد انقسمت المعتزلة القدرية إلى عشرين فرقة، وكل فرقة انقسمت بدورها إلى عدة فرق، وقد ذكر أصحاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت