ولما ولّى يزيد مسلم بن زياد خراسان قال له: إن أباك كفى أخاك عظيما، وقد استكفيتك صغيرا، فلا تتكلنّ على عذر مني فإني قد اتّكلت
على كفاية منك، وإياك مني قبل أن أقول: إياي منك، فإنّ الظنّ إذا أخلف فيك أخلف منك. وأنت في أدنى حظّك فاطلب أقصاه. وقد أتعبك أبوك، فلا تريحنّ نفسك، وكن لنفسك تكن لك، واذكر في يومك أحاديث غدك.
وقال معاوية لعمرو بن العاص: إني لأحبّ أن تكون فيّ خمس خصال.
قال: وما هنّ يا أمير المؤمنين؟ قال: أحبّ ألّا يكون جهل أعظم من حلمي، ولا ذنب أكبر من عفوي، ولا عورة إلّا وأنا أسعها بستري، ولا فاقة إلا سددتها بجودي، ولا زمان أطول من أناتي، فتبسم عمرو. فقال معاوية: مم تبسمت؟
فإني أعلم أنك إن قلت خيرا أضمرت شرّا. قال: نعم، تمنيت صفة لا تكون إلا لله. قال معاوية: فاسترها علي.
كتب معاوية إلى مروان بن الحكم: والله لفلان أهون عليّ من ذرة [1] أو كلب من كلاب الحرّة، ثم قال للكاتب: امح الحرة، فإنه سجع، واكتب: من الكلاب.
قيل لخالد بن يزيد: أنّى أصبت هذا العلم؟ قال: وافقت الرجال على أهوائهم، ودخلت معهم في رأيهم، حتى بذلوا لي ما عندهم، وأفضوا إلي بذات أنفسهم.
بعث زياد إلى معاوية بهدايا مع عبيد الله أخي الأشتر النخعي، وفي الهدايا سفط فيه جوهر لم ير مثله، فقدم عبيد الله بالهدايا، ثم قال: يا أمير المؤمنين إن زيادا بعث معي بسفط ما أدري ما فيه، وأمرني أن أدفعه في خلاء. فقال:
أحضره، فلما فتحه قال: ما أظن رجلا آثر بهذا على نفسه إلا سيؤثره الله بالجنة ارجع به إليه، فإنّ من قبله من المسلمين أحقّ بهذا من معاوية.
ثم كتب إلى زياد: إنك رفعت إليّ راية الأشتر حين وضعها الله. بعثت مع أخيه بسفط يشهد به علي عند أهل العراق فاردده عليّ مع رجل لا يفقه عنّي، ولا أفقه عنه، فردّه إليه زياد مع غلام من غلمانه.
(1) الذرة: واحدة الذر، وهي صغار النمل.